![]() |
#1
|
|||||||||
|
|||||||||
![]()
قول الله - تعالى ذِكْرُه -: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾ [الحجر: 26 - 27].
﴿ الْإِنْسَانَ ﴾: قال الراغب: سُمِّي بذلك؛ لأنَّه خُلق خِلْقة لا قوام لَها إلاَّ بِأُنْسِ بعْضِه ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بِجَمع أسبابه، وقيل: سُمِّي بذلك لأنَّه يأنس بكلِّ ما يَأْلَفه، وقيل: هو إِفْعِلاَن، وأصله إِنْسِيَان، سُمِّي بذلك لأنَّه عُهِد إليه فنَسِي، وهو أولى أن يكون سُمِّي كذلك لِكَلا المعنيين؛ لحاجته إلى الأُنْس بعضه ببعض، ولأنه جُبِل بِحِكمة الله ورحمته على طبيعة النِّسيان. و﴿ الصَلْصَالٍ ﴾: الطِّين غير الْمَحروق، يَجِفُّ ويشتدُّ جفافه، فيكون له صوت يَصِل إذا نقَرْته، فإذا أُحْرِق كان فخَّارًا، وقال الإمام البخاريُّ: صلصال: طين خُلِط بِرَمْل فصلْصَلَ كما يُصَلصِل الفخَّار، وقيل: مُنْتِن، يريدون به: صَلَّ يعني تغيَّر؛ يعني من قولهم: صلَّ اللَّحم، إذا أنْتَنَ، ثم قال البخاريُّ: كما يقولون: صرَّ البابُ وصَرْصَر عند الإغلاق، مثل كَبْكَبْتُه، يعني كبَبْتُه؛ اهـ. وقال ابن جرير: الصَّلصال: الطِّين اليابس لم تُصِبه نار، وعن ابن عباس: هو الماء يقع على الأرض الطيِّبة ثم يَحْسِر عنها، فتتشقَّق ثم تصير مثل الْخَزف الرِّقاق، وعن ابن عبَّاس أيضًا: قال: خُلِق الإنسان من ثلاثة: طين لازِب، وصَلْصال، وحَمَأ مسنون، والطِّين اللاَّزب، اللاَّزق الجيد، والصلصال: المُرَقَّق الذي يصنع منه الفخَّار، والمسنون: الطِّين فيه الْحَمْأة. وقال آخَرُون: الصَّلصال: المنتِن، وكأنَّهم وَجَّهوا ذلك إلى أنَّه من قولِهم: صلَّ اللَّحم وأصلَّ، إذا أنْتَن، يُقال ذلك باللُّغتَيْن كلتَيْهِما: يَفْعَل وأَفْعَل. ثم قال ابن جرير: والذي هو أولى بتأويل الآية: أن يكون الصلصال - في هذا الموضع - الَّذي له صوت، من الصَّلْصلة؛ وذلك أنَّ الله تعالى وصَفَه في موضع آخَر، فقال: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ [الرحمن: 14] فشبَّهَه تعالى بأنه كالفخَّار في يُبْسه؛ اهـ. و"الْحَمَأ" طين أسود مُنْتِن، واحده: حَمأة، قال أبو الأسود: تَجِيءُ بِمِلْئِهَا طَوْرًا وطَوْرًا تَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيلِ مَاءِ وأصل الحمأة: الطِّين الْمُجتمع من خلاط تَعافُه النفس وتتأذَّى به، تقول العرب: حَمِي الماء: إذا تغيَّر فصار كدرًا، تقذره النَّفس وتعافه. ﴿ والمَسْنُونٍ ﴾ من: أَسِن إذا فاح ريحه من شدَّة التغيُّر، وقيل: مِن سَن الماء وغيره: إذا صبَّه صبًّا سهلاً متتابعًا في رِفْق وأناة، مستوعِبًا الوضع الذي سن عليه، قال القرطبِيُّ: قال ابن عبَّاس وقتادة ومجاهد: المسنون: الْمُنتِن المتغيِّر، من قولِهم: قد أَسِن الماء إذا تغيَّر، ومنه: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259] و: ﴿ فيها أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ [محمد: 15]، وقال الفرَّاء: وهو المتغيِّر، وأصله من قولِهم: سننت الحجر على الحجر؛ حكَكْته به، وما يخرج بين الحجرين يقال له: السنانة والسَّنين - بِفَتْح السين - ومنه المسن، قال عبدالرحمن بن حسان: ثُمَّ خَاصَرْتُهَا إِلَى القُبَّةِ الْحَمْ رَاءِ تَمْشِي فِي مَرْمَرٍ مَسْنُونِ وقال أبو عبيد: المسنون: المصبوب، وهو من قول العرب: سنَنْت الماء وغيره على الوجه إذا صبَبْته، والسَّن: الصَّب، قال أبو عمرو بن العلاء: ومنه الأثر الْمَرويُّ عن ابن عمر "أنه كان يسنُّ الماء على وجهه، ولا يشنُّه"، والشَّنُّ - بالشِّين - تفريق الماء، وبالسِّين الْمُهملة: صبُّه من غير تفريق، وقال سيبويه: المسنون الْمُصوَّر، أُخِذ من سُنَّة الوجه، وهو صورته، وقال ذو الرمَّة: تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلا نَدَبُ يعني ربُّنا تعالى: أنَّ الإنسان كان أوَّلاً تُرابًا؛ قال تعالى: ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ [آل عمران: 59] وقال: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ [الكهف: 37]، وقال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ [الروم: 20]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [فاطر: 11]، ثم تُرك ما شاء الله حتى امتزجَتْ ذرَّاته ببعضها أشدَّ الامتزاج، فكان طينًا لازبًا؛ أيْ: متماسكًا أشدَّ التَّماسُك وألزمه، ثم تطاول به الْمُكْث حتى أَنْتَن، ثم صوِّر وفصِّل، وصُبَّ في هذا القالب المستقيم، وبقي ما شاء الله حتى صار صلصالاً كالفخَّار، ثم نفخ الله فيه من روحه فكان إنسانًا، وقد مرَّ عليه في هذه الأطوار حينٌ من الدَّهر متطاوِلٌ لا يعلمه إلا الَّذي خلَقَه وصوَّره وسوَّاه في أحسن تقويم سبحانه، ثم كانت سُلالَتُه من ماء مَهِين، من نُطْفة مُصَفَّاة مستخلصة من الآباء والأمَّهات القُدامى إلى الإنسان الأوَّل، ومِن أَمْشاج وأخلاط ما يطعم مِمَّا يُخْرِجه الله من الأرض من زَرْع وثِمار وحيوان، ذلك تَقْدير العزيز العليم، فسُلالَتُه من جنس أصله الأوَّل: التُّراب، والطِّين اللاَّزب، والْحَمأ الْمَسنون، ثم هو بعد هذه يغفل ويتعامى عن نِعَمِ ربِّه، وينسى أصله، فيَجعل مِن نَفْسِه الضعيفة الضَّعْف الذاتِيَّ الْمُلازم، والفقيرة الفقر الذاتي الْمُلازم - خصمًا لربِّه العليِّ الكبير، القويِّ العزيز: ﴿ خَلَقَ الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 4] ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ [يس: 78]، وبغفلته هذه وجهالته وعماه عن نِعَم ربِّه وحكمته، ونسيانه لخلقه وبتدسيته لِنَفْسِه، وانسلاخه من آيات ربِّه كان ظهيرًا لعدوِّه على ربِّه: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ [الفرقان: 55] ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17]. ﴿ وَالْجَانَّ ﴾ المخلوقات الْخفيَّة الْمُستَتِرة عن الحواسِّ، قال الرَّاغب: أصل الْجَنِّ - بفتح الجيم - سَتْر الشيء عن الحاسَّة، يُقال: جنَّهُ الليل، وأجنَّه، وجنَّه عليه، فجنَّه: ستره، وأجنَّه: جعل له ما يجنُّه، كقولك: قَبَرْته وأقبَرْته، وسقَيْتُه وأسقيته، والجانُّ: القَلْب؛ لِكَونه مستورًا عن الحاسَّة، والْمِجَنُّ والمِجنَّة: التُّرْس الذي يجنُّ صاحبَه؛ أيْ: يَسْتره عمَّا يريد منه عدوُّه من ضرب الوجه أو الرأس، قال - عزَّ وجلَّ -: ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ [المجادلة: 16] وفي الحديث: ((الصوم جُنَّة))[1]، والْجَنَّة: كلُّ بستان ذي شجر يُسْتر بأشجار الأرض، والجنين: الولَد ما دام في بطن أُمِّه، وهو فعيل بمعنى مفعول، والْجَنين القبر، فعيل بمعنى فاعل، والْجِنُّ يُقال للرُّوحانيِّين المستترة عن الحواسِّ كلِّها بإِزاء الإنس، فتدخل فيه الملائكة والشياطين، فكلُّ ملائكة جِنٌّ، وليس كلُّ جِنٍّ ملائكةً، وقول الله تعالى عن عصا موسى: ﴿ لَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ [النمل: 10] فالجانُّ: هي الحيَّة الصغيرة التي لا تكاد تَظْهر؛ لصغرها، والْمَجنون: الذي ستَرَ المرضُ عقْلَه فعطَّلَه عن القيام بعمله الذي خُلِق له. وقوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أيْ: مِن قبْلِ خَلْقِ الإنسان، كما أنَّ السموات والأرض وما فيهما خُلقتا من قبل خلْق الإنْسان: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 29 - 30]، وذلك من باب تَهْيئة الْمَنْزل وإعداده بكلِّ الأدوات والأسباب التي تحتاج إليها حياةُ مَن سيَنْزل به، فالملائكة والجنُّ من لوازم حياة الإنْسان في هذه الحياة الدُّنيا؛ لأنَّها، كغَيْرها مِمَّا سخَّره الله له، من أسباب ابتلائه وامتحانه، فمَن عرف حكمة الله ونعمته فيها، فأحْسَنَ الانتفاع بها ووضَعَها في موضعها، فاز في الامتحان بالنَّجاح والفلاح، ومن أساء فَهْمَها والانتفاعَ بِها، فوضَعَها في غير موضِعها، خَسِر الدُّنيا والآخرة. و﴿ نَارِ السَّمُومِ ﴾: السّمُّ - بفتح السِّين وضَمِّها - كلُّ ثقْب ضيِّق، كخَرْق الإبرة، وثقب الأنف، وجَمْعُه: سُموم - بضمِّ السِّين - وقد سَمَّه؛ أيْ: دخل فيه، ومنه السامَّة: وهم الخاصَّة الذين يتدخَّلون في بواطن الأمر، والسمُّ القاتل: مصدر في معنى الفاعل؛ لأنَّه بِلُطْفه في التأثير على البدن يَدْخل بواطن البدن، ويتخلَّل مسامَّه ومَجارِيَه الضيِّقة، والسَّمُوم: الرِّيح الحارَّة التي تؤثِّر تأثير السم، فتتخلَّل مسامَّ الجسم ومجارِيَه الضيقة. وقال الله: ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴾ [الرحمن: 15] فالمارج: الْمُختلط؛ أيْ: مِن لَهَبٍ مُختلط، فهم كذلك من أخلاط من النار، كما أنَّ الإنْسان من أمشاج من الأرض، وهؤلاء وأولئك بعضهم لبعض فتنة وبلاء، وكان ربُّك خبيرًا بصيرًا. أقول، ومِن الله أَستمدُّ الْمَعونة والتوفيق، وهو حسبِي ونِعْم الوكيل: بعد أن هدَّد ربُّنا العليمُ الحكيمُ الرَّحيمُ - سبحانه - الكافرين، وتوعَّدَهم عاقبة ما هم عليه من الغرور بدين التَّقليد الأعمى للآباء والشُّيوخ، وأنَّهم سيَوَدُّون أنْ لو كانوا مسلمين إسلام الْخُضوع والذُّلِّ والطاعة بعبادة الله وحْدَه، وعبادته بما شرع، لا بما تَهْوى أنفسهم، ولا بِما ابتدع لهم شيوخُهم، ولا بِما ورثوا من تقاليد الآباء وعاداتِهم، وأنَّهم إنَّما قُتِلوا وشَقُوا بدين البِدَع والأهواء، ودين الشُّيوخ والآباء، فأماتوا إنسانيَّتَهم العاقلة الكريمة، فهم إنَّما يَحْيَوْن ويعيشون عيشة الأنعام، وأنذرهم عاقبة هذه الحياة البهيميَّة، وتَهدَّدَهم أشدَّ التهديد بقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 3]. ثم ذكَّرَهم بِما يكشف عن بصائرهم أغشِيَةَ الغفلة والغرور - لو عَقَلوا - وهو أنَّ تَرْك الله لهم في هذه الحياة البهيميَّة الكافرة، وإمدادهم بالمال والبنين، ليس عن رِضاه عنهم، ولا عن عَجْزٍ عن أخذهم بالعذاب الواصب، ولكنها سُنَّته في أحوال الأُمَم التي كتب لها كتابًا معلومًا، لا يستقدمون عنه ولا يستأخرون. ثم ضرب لَهم الْمَثَل في الغرور بالأمانِيِّ الكاذبة، والانْخداع بالتقاليد الضالَّة الكافرة التي دفَعَهم الْحِرصُ عليها والاستمساك بِها إلى الإعراض عن الْهُدى الذي جاءهم به النَّبِيُّ الذي يعرفون صِدْقَه وأمانتَه، ورَمْيهم إيَّاه بالْجُنون - ضرب لَهم الْمَثل في ذلك بالأُمَم التي يقولون هم عنها: إنَّها كانت كافرة، وإنَّ الله إنَّما أهلكها بِكُفرها وتكذيبها رسُلَه، واستهزائها بِهم وبما جاؤوا به، وردِّها عليهم بِمِثل ردِّ هؤلاء واستهزائهم؛ لأنَّها كانت كذلك مغرورة بالأمانِيِّ، مخدوعة عن الهدى والحق بالتقاليد الموروثة، والخرافات الوثنيَّة التي ليس لَها حجة عندهم إلاَّ: ﴿ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 74] ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ [ص: 7 - 8] وكان الشيطان وحزبه يُسمِّيها لهم إسلامًا ودِينًا. ثُمَّ بيَّن لهم الفَرْق البعيدَ بَيْن ما هم مُغترَّون به من موروثِ الشُّيوخ والآباء، وبين ما يُنَزّل من الحقِّ والهدى من عند اللهِ مُقلِّب القلوب، الرَّؤوفِ الرحيم بعباده، وأنَّ سلطان الحقِّ المُنَزَّل على القلوب قويٌّ قاهر إلى درجة أنَّ الله يَسْلُكه فيها، وإن كانت به كافرة، وله كارهة ومُعادية، فلمَّا لَم تنفعهم كلُّ هذه العِظَات؛ لِشَديد غباوتِهم، واستحكام بلادتِهم، ونفاذ سُلْطان الغرور إلى قلوبِهم؛ من كثرة ما نفَث الشَّياطينُ في عقولِهم من سُموم: "شيخك جاسوس قلْبِك"، "كُنْ بين يديه كالْمَيت بين يَدَيِ الغاسل"، "لا يُفْلح الْمُريد إلاَّ إذا أَعطى شيخه الثِّقة والطَّاعة العمياء؛ لا يسأله: كيف؟ ولا: لِمَ؟"، "شيخك ضَمِن لِمُريديه ومُحبِّيه الجنَّة"، "مَن رأى الشيخ يوم كذا كُتِبَت له وثيقة بالنَّجاة من النَّار"، "الأولياء كسفينة نوح، مَن تعلَّق بِهم نجا ولا بدَّ"، "ليست الولاية بالعلم ولا بالعمل"، "للأولياء التصرُّف الْمُطلَق في شؤون الدُّنيا"، "قُل مائة مرة، أو ألف مرة: الله الله، تَدْخل الْجَنَّة"، "والأُمَّة الفلانيَّة مضمون لها الجنة بشفاعة نبيِّها"، وغير ذلك مما يوحي به شياطين الجنِّ إلى أوليائهم من شياطين الإنس الصُّوفية من السُّموم التي قتَلَت العقول، وأماتَتْ فيهم الإنسانيَّةَ الْمُفكِّرة، فكانوا صُمًّا وبكمًا وعميانًا، لا يرَوْن ولا يسمعون ولا يقولون إلاَّ ما يُوحي إليهم الشُّيوخ، حتَّى بلَغُوا من العَمى عن آيات الله أنْ لو فتَح الله عليهم بابًا من السماء فظَلُّوا يعرجون اللَّيل والنهار، لقالوا: إنَّما سُكِّرت أبصارنا، بل نحن قوم مَسْحُورون. بلى، والله لقد فتَحَ، ولكن لِذَوي الألباب، فلمَّا لَم تنفَعْهم تلك الْمُذكِّرات التي نفعَت الذين يؤمنون بالغيب ويَخْشَون ربَّهم، عطف عليهم ربُّنا الرَّحْمن الرَّحيم، فقلَّص مِن أجفانِهم، ووسَّع من حدقاتهم، ودفع بأبصارهم إلى السموات يدعوهم بما أبرز فيها مِمَّا يَجذب أبصارهم إلى التأمُّل فيها، والتفكير في عجيب صُنْع الربِّ الذي سخَّر هذه الكواكب الضَّخمة في خدمتهم ولِخَيرهم، وجعلها بقُدْرته ورَحْمته تناوب اللَّيل والنهار، لا تفتر في خَيْرِهم ومَصالِحهم ومعايشهم: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 33 - 34]. لكنَّهم مع كلِّ هذا عَمُوا عن السَّموات وما زُيِّنَت به من نُجومٍ وكواكبَ، فلعلَّهم زعموا - أو زعمت لهم غباوتهم وبلادتهم - أنَّ السموات بعيدةٌ عن متناول تفكيرهم، وأنَّه يكفيهم منها أن يتَّخذوا منها، أَوْ يتَّخِذوا من كواكبها، أو مِن سُكَّانِها من الملائكة آلِهَةً يقدِّسونها بأنواع العبادات والقرابين، ويُناجونَها بأنواع الأَبْخِرة والتَّعازيم، لَمَّا زعمَتْ لَهم شياطينُهم أنَّ لها أرواحًا أو روحانيَّات، وأنَّ أرواحها أو روحانياتها وسائِطُ تَشْفع لَهم عند ربِّها - سبحان ربِّنا وتعالى - في أنواع التصرُّفات؛ مِن جَمْعٍ بين الأحبَّة والأعداء، أو موت أو ولادة، أو خصب أو جَدْب، فنزل إلى ربِّنا الأرض التي تُخالِطُهم ويُخالطونها، وتتَّصل بِشُؤونِها بكلِّ شؤونهم الحيوانيَّة، وذهب يعْرِض عليهم من نِعَمِه وآلائه وآياته وحكمته الواضحات الْجَليَّات، في مدِّ الأرض وجَعْلها لهم مِهادًا، وإرسائها بالجبال الرَّواسي؛ حتَّى لا تَمِيد بهم في سَيْرِها السَّريع الدَّائب، وفيما أنبت لَهم من كلِّ شيء موزون، وما جعل لهم ولِمَن ليسوا له بِرَازقين من معايِشَ، وأنَّ حِكْمتَه البالغة واضحةٌ في كلِّ ما يعطيهم في أنفسهم ومعايشهم وأنعامِهم، تَدْعوهم أن يستيقظوا من غفلتهم، وتدفعهم أن يُفِيقوا من غرورهم، فإنه ما من شيء بأيديهم، أو هم فيه مِن فَوْقهم أو من تَحْتهم، في أجسامهم أو عقولِهم ونفوسهم وقلوبِهم، أو أنعامهم أو مائهم، أو ما يتنفَّسون من الْهَواء، وما يَجْري في عروقهم وأبشارهم وأشعارهم من ذرَّات، إلاَّ وهو نازِلٌ من خزائنه بِقَدر معلوم، وأنَّه لا بُدَّ مُحاسِبُهم على كلِّ ذلك حسابًا دقيقًا أشدَّ الدِّقَّة، وأنه لا يُحابي فيما يعطيهم هنا، فلن يُحابِيَ في حسابِهم وجزائهم في الآخرة، وأنَّه سبحانه جعل لكلِّ شيء سُنَّة يَجري عليها لا تتبدَّل، فالتناسل في الحيوان والنبات بالذُّكورة والأنوثة، يلقح ذكَرُ الحيوان أُنْثَاه بالاجتماع المعروف، وتَحْمل الرِّياح لقاح ذكَرِ النَّبات وتلقيه إلى أُنْثاه، وأنَّ الماء سبب حياة الإنْسان والحيوان والنبات من آباء وأمَّهات وأجنَّة، فكذلك حياة القلوب لا تكون إلاَّ بأسبابها، التي جعلها العليم الحكيم من الغيث الصافي النقيِّ النَّازل من عند الله على خيرة عباده الْمُرسَلين، وكذلك غراس الإيمان والْهُدى والطَّاعة، لا تكون إلاَّ بأسبابها التي جعَلَها العليمُ الحكيمُ، فكذلك الفوز والخسران، والفلاح والخيبة، والسعادة والشَّقاء في الدُّنيا والآخرة، لا تكون إلاَّ بالأسباب التي جعَلَها العليم الحكيم، وهي ما يَؤوب ويَرْجع إلى الإنسان من عقيدته وعمَلِه، ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، سُنَّة مُطَّرِدة لا تتبدَّل ولا تتحوَّل. لكنهم لم يعقلوا كلَّ ذلك عن الله؛ لأنهم غارقون في قاع بحر التقليد الأعمى، والغرور بآراء وكتب ومبتدعات الشُّيوخ والْمَذاهب، وعادات الآباء، فعاد يهدِّدهم بأنَّه هو الْمَلِك القاهر الذي يُحْيِي ويُمِيت، وهو الوارث وَحْدَه؛ لأنَّه لا يَبْقى إلاَّ وجْهُ ربِّك ذي الجلال والإِكْرام، وأنَّه يَعْلم سِرَّهم وعلانيتهم، المستقدِمين منهم والْمُستأخرين، وأنه أحصى عليهم كل شيء: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فينَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 6]، وأنه سيحشرهم ويَجْمعهم ليوم لا رَيْب فيه، ويحاسبهم بما أحصى عليهم مِن دقيق أعمالِهم وعقائدهم وجليلها، لا تُغْنِي نفْسٌ عن نفس شيئًا، ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ [غافر: 17] ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 48]. وإنَّ ظنَّهم بالله الْمُحاباةَ والظُّلم، فيعطي لأجْل فلان، ويَمْنع لأجل فلان، ويُدْخل الجنَّة لأجل خاطر هذا أو ذاك - إنَّما هو ظنُّ السَّوْء بالله، ووَصْفٌّ له بما يكرهونه لأنفسهم وحُكَّامهم، وهُم مَحلُّ العجز والنَّقْص، وربُّنا الحكيم مُنَزَّه عن ذلك؛ فإنَّهم يقولون: إنَّهم يكرهون من حكَّامهم الْمُحاباةَ، واتِّباع الْهَوى، والتَّأثُّر بالشفاعة والوساطة في الأحكام، ويزعمون أنه سبب فساد الأمور، وضياعِ الحقوق، واختلال الأمن، فكيف يَصِفون الله بما يكرهونه لأنفسهم، ثم يزعمون أنهم المسلمون، وأنَّ لهم الحسنى في الدُّنيا والآخرة؟! مع أنَّ كل ما في الوجود من آثار الحكمة في خَلْق السموات والأرض وما بينهما يُنادي أنَّه الإله الحقُّ، وأن جزاءه الجزاء الحقُّ الْمُطْلَق الذي لا تأتيه شوائب الْمُحاباة والغرضِ من أي ناحية، إلاَّ في عقول أولئك المقلِّدين الذين كفروا به وبِسُنَّته وبآياته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ثم عاد سبحانه بِحِكمته ورَحْمته يدعو الإنْسان بما أنعَم عليه في خلقه وتكوينه، وبما هيَّأ له من أسباب الكرامة والفلاح - إلى التدبُّر والتذكُّر لآلاء ربِّه، وفَضْله عليه وإحسانه؛ ليحتفظ بكرامته، ويُبْقي على إنسانيته المفضَّلة بالعقل والفكر والتميُّز، ويَحْذر بها وبما أسبغ الله عليه فيها من دُروع الآيات من كَيْد عدوِّه، الذي قضَتْ رَحْمةُ الله وحكمته وتفضيله للإنسان أن يَجْعل ذلك العدوَّ مستتِرًا خفيًّا، يرانا هو وقبيلُه من حيث لا نراه؛ وذلك لِمَا أعطانا الربُّ العليم الحكيم من الفطانة والرَّزانة والعقل، ودقَّة الإحساس والشُّعور الذي به نعرف مداخل ذلك العدوِّ، فنحذره إذا نَحْن احتفظنا بنِعَم الله في أنفسنا، وشكَرْناها بوضع كلِّ نعمة في موضعها، وإحسان الانتفاع بها، وأنَّ ربَّنا لَطيف خبير، وأنَّه بالناس لرَؤوف رحيم، ولكن أكثر الناس لا يعقلون عن الله نِعَمَه، ولا يعرفون له فضله، ولا يقدرون عظيمَ رَحْمته وحكمته، فيخرُّون على أمَّهات نواصيهم في هاوية الأَسْر لذلك العدوِّ الْمُبين، وهم مَخْدوعون بالأماني الكاذبة، قد غرَّهم بالله الغرور، ونسأل الله السلامة والعافية، وأن يُديم علينا نِعَمه سوابِغَ، وأن يوزِعَنا شُكْرَها، ويبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجِنا وذُرِّياتِنا، ويتوب علينا، إنَّه هو التوَّاب الرحيم، وصلَّى الله على عبد الله ورسوله محمَّد، وعلى آله أجمعين[2]. ![]() ![]() ![]() القلب يميل لـ من يجتهد في احتضانـه واستيعابـه ، واحتـواءه ، يميل لمن يصارع العالـم لأجلـه ، من يشتاقه بلا سـبب ويأتيـه بلا سـبب ، من يبقى بجواره للأبد |
![]() |
#5 |
![]() |
![]()
سلمت اناملك لروعة ذوقك
يسعدك ربي ويحقق أمانيك |
![]() ![]() ![]() اللهم احفظ لي أمي حبيبتي اني أخشى عليها من ضرر يمسها فيمسني أضعافه اللهُم أني استودعك إياها في كل حين فاحفظها يارب♥ اللهم أرحم أبي وخالي رحمة تدخلهم بها جنة الفردوس بلا حساب ولا سابق عذاب واجبرنا جبراً انت وليه فالدنياء والأخره ![]() ![]() |
![]() |
#6 |
![]() |
![]()
الله يعطيك العافيه على الطرح
اللي كله ابداااااااع حضوري شكر وتقدير لك ولاهتمامك في مواضيعك اخوك نجم الجدي |
![]() ![]() |
![]() |
مواقع النشر (المفضلة) |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
![]() |
||||
الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
سورة الحجر (الآيات 16 : 18) | كـــآدي | الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية | 15 | 08-09-2022 07:13 PM |
سورة الحجر (الآيات 10 : 11) | كـــآدي | الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية | 24 | 08-09-2022 07:13 PM |
سورة الحجر (الآيات 14 : 15) | كـــآدي | الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية | 16 | 07-26-2022 09:25 AM |
تفسير الآيتين 23 و 24 من سورة يوسف | جنــــون | الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية | 12 | 06-28-2019 11:15 PM |
سورة الحجر | جنــــون | …»●[الصوتيـــات والمرئيات الأسـلاميــه ]●«… | 39 | 06-18-2016 06:07 AM |
![]() |