الفصل السادس عشر
الـعـشـيقــة
كانت أيام العزاء الثلاثة ببيت عمي
مزدحمة بالتناقض
هناك من رثاه شهيدا
ومن حاكمه إرهابيا
كل تلك الأوجه ما تركت إلا الضيق
أي مواساة من تطفل
شهدت مظاهره نسائيه
بلافتات من أنواع العباءات التي تعبر عن الانتماءات الفكرية المخفية
ففي بحر من السواد
تتمايز
تلك المعتلية لقمة الرأس المبجلة
والمزاحة على الأكتاف المتمردة
ولأن الموت حاضر
تتأدب العيون المتعارضة بجدل محبوك من نظرات
فقط
ألزمتني أمي بالوقوف بجوارها
فكثير من كان يسأل :
وين زوجة فهد
قيمة متضخمة تكتسبها المرأة من الزواج
بقدر هامشيتها قبله
ماذا تكسب المرأة من الزواج
قيمة اجتماعيه
إجابة خاطئة
قمة الجوع
في اليوم الثالث
خرجت من بيت عمي عبد الرحمن مبكرا للقاء جيزيل في مقر الشركة التي أحضرت الكثير للتجربة والقياس
طلبت من سعد أن يحضر فطومه أريدها معي
جاءت متأخرة
بعد أن أنهيت معظم الاختيارات
فأبدعت بإزعاج جيزيل بتعليقاتها الساخرة التي أخرسها فستان حفلة الأحد
الغجري الجميل برسومه المرحة ومشد يعلوه من الجلد الأحمر و حذاء بكعب زجاجي مرتفع
أحببت الفكرة
أن أسير على الزجاج
وطلبت من نادين تؤكد موعدي مع الصالون
لتقول فطومه بقلق :
إلا ابشري بالدجة والرسوب
ولا كأن عندك دراسة وامتحانات نهائية
من عزي لعزيمة
ويا قلبي لا تحزن
خفت من حديث عن المذكرات المهملة على سطح مكتبي
هل سأضيع جهد سنوات الجامعة
وان كان
وماذا تعني لي الشهادة بعد أن وقعت تلك الأوراق وملكت ما تعجز أرقامي التي تعلمتها منذ الصغر على إحصائه
كلمني فهد ليسأل :
خلصتي مع جيزيل
وليكمل بأمر دون أن يسمع جواب :
بكرة الساعة سبعة بالمسا يجيبك السواق عندنا
وكمان أودعك عشان مسافر
استغربت أي سفر
والقادمون يعودون بتوابيت :
وين مسافر ومتى بترجع
ليقول بما يبعثر هواجسي :
لندن
شوية أعمال
وعشان ما أعطلك عن المذاكرة
راجع يوم الزواج
لا تتأخرين بكرة
مفتون بلندن
أخبرتني نادين انه اختارها لقضاء شهر العسل
وعلى طريقة فهد الخاصة
دون أن يسألني
عصر الأحد لبست فستاني الجديد
قرأت أمي المعوذات
وشهقت منيرة كيف تغير الملابس النساء
ذهبت للصالون
حيث نفذت توصيات جيزيل بدقة
عندما انتهيت
كانت بالمرآة
حرم فهد القادر تبحث عن ميثى في قسماتي
وهذا ما أرهق شغالة القصر جوزي العثور عليه عندما فتحت لي الباب الرئيسي لمدخل النساء
ما كنت لأدخل من الأبواب الخلفية بعد عقد القران
في صالون النساء
كانت ميساء تتحادث مع صبا وريما الجميلتين
من كل رفيقات ميساء أحب هاتين الأختين
لريما ملامح تشبه أمها زهوة بجمال صارخ
أما صبا فتتمتع بنعومة ورقة عذبة وجاذبية فائقة كوالدها ماجد الذي تجاوز الستين وعيون النساء لا تمل من النظر
كثيرا ما احترت
كيف كان في شبابه
دخل الصمت معي
زوجة فهد
نظرت لي ميساء
أعجبتها
قضيتها معي بسيطة
هي لا تريد ميثى تحرجها
الآن
لا شيء يحجزني عنها
سلمت علي بكلمة اشتقت لها رغم سماجتها :
أهلا حبوو كيفك
هذا سر اقتحام جلسات البنات المغلقة
فستان جميل وتسريحة بديعة
يبدو أن ميثى شو
لا يقاوم
كان ترحيب الأختين بي فياضا
ومع اندماجنا بحكايات حبسها طول الغياب
دخلت زوجة عمي الجوهرة تضحك مع صديقتها زهوة
للحظة لم تعرفني
مدت يدها مصافحة الضيفة الغريبة
سلمت عليها
سمعت صوتي
تجمدت الابتسامة المرحبة على وجهها
فقضيتها معي معقدة
حيتني زهوة ببرود
وقالت :
مبروك ميثى
حياة سعيدة إن شاء الله
أكملت لتخلصني من غرور التفوق :
السنة هذي كلها أفراح
ميثى
وميساء
وريما
ما بقي إلا صبا
لتقول ابنتها الصغرى بغنج :
لا أنا خلوني على مهلي
كفاية عليكم ريما
انسوني شوية
التفت لريما وقلت :
مبروك
ومتى الفرح
قالت بحسرة :
أنا فرحي بعد ميساء بأسبوع
قالت لميساء مهددة :
يعني تأخري الهني مون لحد ما تحضري فرحي
وبهذا غرقنا بتفاصيل التجهيز
هنا بالمقارنة
عرفت أنا متفوقة يا زهوة
بجيزيل
التي وفرت ما تتخبط في إيجاده ميساء وريما
ما كان لي أن اعتب على فهد
نظرت له بامتنان كان بالحديقة يجلس بين ماجد الضيف المميز وعمي الذي نادرا ما يحضر مناسبات القصر الاجتماعية
وهو متوترا يهز رجله بعنف مجبرا على مجالسة من مالا يرغب
ماذا سيقول حين يراني
أنا الجديدة
بدأت همسات الجوهرة وزهوة ترتفع حديثا مسموعا
عني
وليصفى جو الحديث بلا خوف من انقل لفهد ما تقول أمه
قالت الجوهرة زوجة عمي لميساء بتململ :
ايش رأيكم تطلعوا فوق
وريهم يا ميساء موديلات السهرة اللي اخترناها
وبعد لحظات من التفكير
ارتابت الجوهرة بنوايا ميثى التخريبية لتقول بحرص :
بس خلي فستان الفرح مفاجأة
اطمئني
أنا من تخبئ فستانها
حتى عني
ليس لؤم بقدر ما هو جهل
في صعودنا للدرج الواسع
قابلنا أيمن بخطواته السريعة
حيا ريما وصبا بمرح
فكثيرا ما يتقابلون برحلات الخارج
وقف أمامي
ونظر لي
بمثل تلك النظرة التي اخترقتني بحفل الرجال في الاستراحة وأثارت نادين غرابتها
عميقة
طويلة
متفحصة
تذكر بما هو أجمل من الشوكلاته
وتنذر بعاصف
ما هو يا ترى
نزل
دون كلمة
و صعدت للأعلى
نظرت لحذائي الزجاجي خائفة من سقوط المرتبك
لمحته
واقفا بالأسفل
يتبعني بعينيه ويهز رأسه كأنه ينفض مشهدا مزعجا من أن يسكن ذاكرته
عرفت أن لا أخاف أن اضغط بقدمي على كعبي العالي
ما لم تمزقني تلك النظرة
فانا حاوي
يمشي فوق الزجاج
في غرفة ميساء تحررت قصص تستحي من وجود الكبار
كانت الضحكات تنافس الكلمات
أول قبلة لريما
و غزل عبد الله بميساء
هذا المخادع
لو تعرف ماذا سماها في غرفة مزنه
كيف يملك كل هذا الكذب
وقف الدور علي
ماذا أقول
قالت صبا بلطف بالغ :
بلاش دلع حكينا
أنا ما اقدر أتخيل فهد يحب
سالت عن أخيهم قيس الغائب تهربا من أن اكذب :
فين قيس
ما جا معاكم يعني
لتقول ريما بصوت يخفت عن أمها وهي بالدور السفلي :
قيس برحلة جماعية مع منظمة تابعة لهيئة الأمم المتحدة
هو وصديقته اليهودية
يائيل
يموت فيها
بنات اليهود ترا فيهم شيء مو طبيعي
وكل ليلة جايب لأهلي الجنان
كتابية
خلافنا معاهم سياسي
ومن حقي أرتبط باللي أبي
قالت ميساء بتعجب :
ومسموح انه السعودي يتزوج يهودية
استخفت صبا بالسؤال :
هو مو حرام
بس الإجراءات كيف ما ادري
بس ماما تقول أنها حالة وتعدي
تخيلت فهد القومي عندما يسمع بغراميات قيس
سيكره هذه الأسرة أكثر
فلازال يستمع لأخبار فلسطين وان فقدت جماهيريتها ورحل زعمائها
يدندن مع مارسيل خليفة بخشوع المسبح
ويقرأ لدرويش ولقاسم ولطوقان وكأن الحرف محرر
هل سيصدق أن سعودي يفكر بمصاهرة يهود
أظنه سيرحب بموته الذي سيرحمه من أن يشهد مثل هذا
ففي نشاط مدرستي الثانوية
ما احترت لحظة
وقلت لمعلمتي اعرف أين أجد هذا الشعار
واستعرت الشماغ الفلسطيني من فهد
وقلت له :
ذبحونا بها القضية
كأنه مقدر علينا نتذكرها أكثر من أهلها
إذا كانوا يقولون ارفعوا أيدكم عنا
حنا أبخص
هذي بلدنا يا النفطيين
بس إذا جا وقت المساعدات
طلعت لنا
اسر الشهداء
وأطفال لحجارة
وقضية العرب الأولى
يتجاهلني حانقا وهو يخرج الشماغ الأسود والأبيض من درج مكتبه الواسع
ثم يقول :
ما بقي إلا أناقش مراهقة
طيب ليش ما غنيتي أو مثلتي للسعودية
اخطف الشماغ وأقول:
ما حطوا لها إلا فقرتين
وبايخة
كان فهد بتلك الأيام لي أقرب
كيف تغير
وأنا أفكر به
دخلت الشغالة جوزي لتبلغني أنه يريدني بجناحه المجدد
أحاطني ضجيج و غمزات
بطريقي إليه
عدلت من وضع المشد وأرخيت الأكمام لتكشف الأكتاف
وسويت خصلاتي الثائرة على وصايا جيزيل
دخلت الجناح
وضعت يدي على خصري الذي يبرزه هذا الفستان
كان واقفا وسط الغرفة الرئيسية
فخورا بما أنجز بوقت قصير وذوق مترف
قال بثقة :
وش رأيك
قلت
وأنا انتظر إجابة منه على نفس السؤال :
حلو
قال بعصبية :
حلو
كل ها المجهود وحلو
ليبدأ بحديث ممل عن تفاصيل التجديد
الشركات الأفكار العمال الخامات
كنت أتصنع الإصغاء
أغضبتك كلمتي الوجيزة
لم تعطي الحيطان المكسوة بالحرير وثريا الكريستال الملون حقها
والإنسانة التي أمامك
تكفيها كلمة
قل لي
حلو
لن اغضب
قل
انظر لي
توقف عن تفحص السقف والأرضيات
فتحت الشباك
كان صوت سعد يحمله الهواء من حيث يجتمع السائقون
صاخبا
مثل ما كنت
قبل أن أبدا أموت مع فهد
نظرت للسرير الفخم المغطي بمفرش من الستان اللامع والأشرطة الذهبية
جلست على حافته
كان مرتفعا
جلست مستندة بيدي الممدودة خلف ظهري العب بقدمي ذهابا وعودة
اطرق بحافة كعبي الحادة خشب الورد المحفور قاعدة للسرير
هل تعمدت أن استفز فهد
بحركاتي
ربما
لكنه استمر بحديثه الذي لم يوقفه
إلا رنين جواله
ليقول بحماس بعد تعرفه على الرقم :
هذا نياز مدير مكتب لندن
عن إذنك
ويلتقط لي صورة وأنا فوق السرير
ويخرج
اكره رائحة الخشب المنبعثة من الأثاث لجديد
كأنها تشكي أسرها من الغابات إلى الحجرات الضيقة مهما رحبت
لا احتمل شكوى مظلوم لعاجز
أريد ألفة الكنبة العتيقة
كانت بالغرفة المجاورة
بألوانها القبيحة
يا ملعبنا صغار بانتظار أذن الدخول للقصر
أدور وأدور
و ميساء خلفي
لكن حذائي المرتفع صار مؤلما
حللت الرباط
وأخذت العب
فالدوران يداوي الرتابة
تعبت
اختبأت خلف زاوية المسند العريضة
كانت ميساء تحتار أين ذهبت
وتبحث عني
وأنا متكومة كجنين وديع برحم حاني
أريد أن أبقى هنا
بعيدا
عن تفحص الجوهرة
لخطوتي وقصة شعري وفخامة دبلتي
و تجاهل فهد
لأنوثتي
وذلك الوعيد الساكن نظرة أيمن
الذي لا أخطئه
خبيني
يا لعبة الطفولة
سمعت فهد ينادي ميثى بالغرفة الرئيسية
قبل أن أجاوبه
قال أيمن وهو خارج الجناح :
يمكن نزلت للعشاء
وصلني صوت ولاعة فهد وهو يرد :
أنا تركتها عشان أرسل فاكس لنياز
دخل أيمن للجناح ليقول باستدراج خبيث :
يعنى مسافر يا عريس
ليرد فهد مؤكدا :
مسافر
بس جاي لحفلة الزواج
قال أيمن محققا مع أخيه :
يعني اشتقت لليزا
طيب فهمني
وش تبي بميثى
أجابه فهد بتفاخر رجل مع مثيله آمن من تصنت امرأة :
أيمن
هذا شأن داخلي على قولتهم
بس عشانك اخوي
أنورك
ليزا غير
هوى الغرب مختلف
بلا حدود
مين تكون ميثى عشان تلغي ليزا من حياتي
وش يعرف ها البدائية بفنون ليزا
أنت بوعيك
تقارن ميثى بليزا
قال أيمن مشجعا حديث يروي نشوى احتقاري :
الحين أنا فهمتك
يعني زواج ميثى واجهه اجتماعية
وحده مثلها
راح تخليك على كيفك
قال فهد مختالا :
زواجي من ميثى له متعته وأهدافه اللي ما تقترب من علاقتي بليزا
إلى هنا و انتهى الدرس
ارتحت الحين
خل ننزل تأخرنا عليهم
أعلن خروجهم صمت
إذن فهد مسافر للقاء العشيقة
الفائقة القدرات
بدا الشك يطل برأسه الماردي الضخم
قد لا يكون فهد مريضا
ماذا عن الأوراق التي وقعتها
خدعة لإرضاء طمع الفقيرة
وحلم أمي
هل اصدق أضغاث أحلام
وحالته الصحية المتغيرة منذ سنة
وصداعه المستمر
وفقدان السفر لتأثيره عليه
ما أدراك قد تكون أعراض العشق والوله على ليزا اللندنية
شعرت
بإغماء
أو يقظة
بحثت أين فردة حذائي الأخرى
كانت هنا بقربي
نهضت من خلف الكنبة بفرده واحده
ليقدم أيمن الأخرى
بانحناءة ساخرة وهو يقول :
أتمنى انك سمعتى زين
يا سندريلا
قلت له وأنا أداري الصدمة :
يعني عارف إني وراء الكنبة
قال بتشمت دنيء :
نسيتي انك كنت فرجتي
وألعابك دنيتي
شفت الجزمة وأنا بالممر
وعرفت
اللعبة القديمة
بس فهد هو اللي عارف قدرك
كبير هو على سحرك
يا بدائيه
يا ليت لي من السحر ما يخفيك من أمامي يا أيمن
جلست على الكنبة
جمعت قدمي لحضني
وأنا من كانت تشفق على ميساء المخدوعة بحديث عبد الله منذ دقائق
لست بأحسن حال منها
بقي أيمن واقفا
ليسمع مكالمة سعد المزعجة التي رديت عليها ليشتكي بصوته العالي العابر لأذن أيمن ببساطة :
ميثى
تر ولد عمك أيمن
قضب حلقي
شايفك قبل كذا
وين كنت تشتغل فيه
انتبهي
الظاهر انه عرف إني أنا اللي كنت معك بالاستراحة هكا الليلة
قلت له وأنا واقعة في مصيدة أخطر :
عادي يا سعد
عادي
ليرمي أيمن حذائي أرضا ويخرج من الغرفة ويقول بتلميح حقير :
أنت سعد
وفهد ليزا
صدق
لايقين على بعض
|