جنــــون
06-29-2022, 07:06 PM
آية استوقفتني: تأملات في مفردات القرآن الكريم (ربنا أفرغ علينا صبرا)
د. عبدالمجيب رحمون
يرتبط مفهومُ الصبر بمقاومة شعور يؤثر في طبيعة الشخص ومزاجه في أحواله العادية، كأن يصبر عن سلوك أغضَبه، عن كلمة جارحة، عن مصيبة حلَّت به، عن واقع يعيشه، [.......]، ويعني حبس النفس وكظمَ ما يُمكن أن يصدر عنها من أقوالٍ أو أفعال سيئة، هذه الأحوال أشار إليها القرآن الكريم في مقامات مختلفة، وفي مناسبات كثيرة، كلها حقَّقت مفهوم المجاهدة والمكابدة، مجاهدة النفس الحزينة؛ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، والنفس الطامعة والراغبة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، والنفس المحتسبة: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48]، والنفس الشغوفة بالعلم والمعرفة: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 69].
وعندما نتأمل مفردات القرآن الكريم، مستعيرين بعض المفاهيم الإجرائية من نظريات التواصل وتحليل الخطاب، ندرك أن منطوق الخطاب القرآني يجسِّد بشكل دقيق إحدى الحقول اللسانية، وإذ نعتبر أن القرآن الكريم كلام الله لعباده، فإننا نقف في الجانب الآخر من قناة الاتصال المتعلق بـ"المرسل إليه"، محققين لخاصية التعاون Cooperation principle’ الذي توظفه اللسانيات التداولية في تحليلها للخطابات، وبعد أن كرَّس القرآن الكريم للخاصية نفسها في آية موجزة: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، فإن التعاون عبرت عنه كلمة "يسرنا"، واليُسر هنا جامع لمعاني البيان والفصاحة والبلاغة، ولكي يحقق الخطاب انسجامه واتساقه وجماليته، لا بد أن تنصرف جهود المتلقي لتأكيد وظائف مبدأ التعاون الإبلاغية والحجاجية والشعرية، من خلال مفهوم التأمل/ التدبر لمفردات القرآن، ولأن المعنى كامن في النص، فمعرفة سياقه واجبة للظفر بالفهم والتدبر.
خلاصة الأمر: إن كلمة "الصبر" فيما تقدَّم وردت فعلًا وحالًا وخبرًا، لكن فيما سنرى جاءت اسمًا في حكم المفعول به الظاهر والصريح، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]، ويقول سبحانه: ﴿ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ [الأعراف: 126]، ويعني فعل "أفرغ": سكبَ وصبَّ، وفارغًا؛ أي خاليًا، وبينهما علاقة وطيدة، ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ [القصص: 10].
المعنى الأول هو الإفراغ، والثاني الفراغ، فعلاقة الجناس اللغوي ظاهرة، وإذا ارتبط المعنيان أدَّيَا وظيفة التكامل، ﴿ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ [الكهف: 96]، من هنا اكتسى لفظ أفرغ فعل الإفراغ، ودل على شيء سائل محسوس يُصَبُّ على شيء معنوي غير ملموس، والدعاء هنا ضروري وآني لهول الموقف، لذلك اقترن الصبر بالدعاء والمناجاة بفعل "أفرغ" في هذين الموضعين دونهما في القرآن الكريم، فكان مقاومة الجزع والاتصاف بالتصبر والتحمل في الآيتين السالفتين بمثابة نار حارقة تحتاج إلى ماء يطفئ حسيسَها وألسنتها اللاهبة، وتحققت صورة ذهنية لدى المتلقي، متعددة الأبعاد منها الوجداني والسلوكي، ومن هنا يمكن أن نعود لقول سيدنا يعقوب: "فصبر جميل"، ولو قال: "أفرغ عليَّ صبرًا"، لكان المعنى مناسبًا، لكن سياق قصة سيدنا يوسف مع إخوته، اقتضى أن يقترن الصبر بكلمة "جميل"؛ أي أمري وشأني صبرٌ جميلٌ؛ حيث جاءت كلمة "صبر" خبرًا لمبتدأ محذوف، أأسربؤوفيها من الحكمة البالغة.
د. عبدالمجيب رحمون
يرتبط مفهومُ الصبر بمقاومة شعور يؤثر في طبيعة الشخص ومزاجه في أحواله العادية، كأن يصبر عن سلوك أغضَبه، عن كلمة جارحة، عن مصيبة حلَّت به، عن واقع يعيشه، [.......]، ويعني حبس النفس وكظمَ ما يُمكن أن يصدر عنها من أقوالٍ أو أفعال سيئة، هذه الأحوال أشار إليها القرآن الكريم في مقامات مختلفة، وفي مناسبات كثيرة، كلها حقَّقت مفهوم المجاهدة والمكابدة، مجاهدة النفس الحزينة؛ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، والنفس الطامعة والراغبة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، والنفس المحتسبة: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48]، والنفس الشغوفة بالعلم والمعرفة: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾ [الكهف: 69].
وعندما نتأمل مفردات القرآن الكريم، مستعيرين بعض المفاهيم الإجرائية من نظريات التواصل وتحليل الخطاب، ندرك أن منطوق الخطاب القرآني يجسِّد بشكل دقيق إحدى الحقول اللسانية، وإذ نعتبر أن القرآن الكريم كلام الله لعباده، فإننا نقف في الجانب الآخر من قناة الاتصال المتعلق بـ"المرسل إليه"، محققين لخاصية التعاون Cooperation principle’ الذي توظفه اللسانيات التداولية في تحليلها للخطابات، وبعد أن كرَّس القرآن الكريم للخاصية نفسها في آية موجزة: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، فإن التعاون عبرت عنه كلمة "يسرنا"، واليُسر هنا جامع لمعاني البيان والفصاحة والبلاغة، ولكي يحقق الخطاب انسجامه واتساقه وجماليته، لا بد أن تنصرف جهود المتلقي لتأكيد وظائف مبدأ التعاون الإبلاغية والحجاجية والشعرية، من خلال مفهوم التأمل/ التدبر لمفردات القرآن، ولأن المعنى كامن في النص، فمعرفة سياقه واجبة للظفر بالفهم والتدبر.
خلاصة الأمر: إن كلمة "الصبر" فيما تقدَّم وردت فعلًا وحالًا وخبرًا، لكن فيما سنرى جاءت اسمًا في حكم المفعول به الظاهر والصريح، يقول الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]، ويقول سبحانه: ﴿ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ [الأعراف: 126]، ويعني فعل "أفرغ": سكبَ وصبَّ، وفارغًا؛ أي خاليًا، وبينهما علاقة وطيدة، ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ [القصص: 10].
المعنى الأول هو الإفراغ، والثاني الفراغ، فعلاقة الجناس اللغوي ظاهرة، وإذا ارتبط المعنيان أدَّيَا وظيفة التكامل، ﴿ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ [الكهف: 96]، من هنا اكتسى لفظ أفرغ فعل الإفراغ، ودل على شيء سائل محسوس يُصَبُّ على شيء معنوي غير ملموس، والدعاء هنا ضروري وآني لهول الموقف، لذلك اقترن الصبر بالدعاء والمناجاة بفعل "أفرغ" في هذين الموضعين دونهما في القرآن الكريم، فكان مقاومة الجزع والاتصاف بالتصبر والتحمل في الآيتين السالفتين بمثابة نار حارقة تحتاج إلى ماء يطفئ حسيسَها وألسنتها اللاهبة، وتحققت صورة ذهنية لدى المتلقي، متعددة الأبعاد منها الوجداني والسلوكي، ومن هنا يمكن أن نعود لقول سيدنا يعقوب: "فصبر جميل"، ولو قال: "أفرغ عليَّ صبرًا"، لكان المعنى مناسبًا، لكن سياق قصة سيدنا يوسف مع إخوته، اقتضى أن يقترن الصبر بكلمة "جميل"؛ أي أمري وشأني صبرٌ جميلٌ؛ حيث جاءت كلمة "صبر" خبرًا لمبتدأ محذوف، أأسربؤوفيها من الحكمة البالغة.