جنــــون
02-24-2020, 02:38 AM
" لم تكن القسوة في حديثنا، ولكن بتلك الحدود التي وضعت كسياج يفصل ما بين القول والشعور..، "
(4)
ابتسمت بهدوء وهي تقلب صفحات مجلةٍ تحتوي في طياتها أخباراً عن الجمال والموضة.. وبيدها الأخرى كوباً من القهوة المرة أعدتها لنفسها ولريم، خاصة عندما رأتها منهمكة في الدراسة واضعة رأسها بين كتبها الجامعية..
تمعنتها بهدوء شديد ولمع في عينيها بريق من الحزن، وهي ترى أن حلماً صغيراً قد ضاع بسبب طفولتها المريرة..، فقد كانت تحلم بأن تصبح مديرة أعمال يلمع صيتها في كل بلد.. يذكرها الناس بحسن إدارتها وجدارتها.. ولكن ذلك الحلم البسيط قد انتهكه القدر ولم يكن بمقدورها التعلم فلم يسمح لمأوى الايتام أن يتكفل بتعليمها الجامعي وما كان منها حينها بعد أن لم تطاوعها نفسها على الخروج الى عالمعا أصرت أن تعمل في المأوى التي تربت به.. واثناء معيشتها وعملهاا هناك تعلمت مهارة الرسم وطورتها،...
فيما بعد، لاحظت أنها وصلت الى آخر صفحات المجلة، وقفت ثم توجهت حيث النافذة المطلة على الحديقة المكسوة باللون الاخضر ولون الورود الحمراء.. ثم راح فكرها الى ذلك اليوم،..
اتسعت ابتسامتها وهي تعود لما وراء أيامِ قليلة، عندما ذهبت برفقة مجد لشراء معدات الرسم ... وبعد ان انتهت من شراء ما يلزمهاا... عادت بادراجها نحو سيارته.. ثم ينطلقا برحلة العودة بعد شبه حديث قصير دار بينهما.. والصمت فرد جناحيه في تلك السيارة ..
( أغمضت عيونها المليئة بالدموع بألم.. حتى تغوص داخل بحر آلامها بصمت موحش.. ولا تدري كم من الوقت مضى حتى سمعت صوته الجااف وكأنه يأتي من الأعماق قائلاً: "لقد وصلنا.."
رفعت عيونها الحمراء الدامعة وتحولت بعدها الى عيون دامعة مندهشة، فقد كانت السيارة مركونة بجانب الشاطئ .. بمنطقة جزئية منه بعيدة عن الاخرين يشعر القادم اليه براحة كبيرة..
مسحت دموعها بظاهر يدها اليمنى امام نظراته المستغربة.. ثم لاحت شبه ابتسامة شاحبة على وجهها البريء..
تحدث بهدوء " سيكون هذا المكان جيداً.."
صمت لثوانٍ معدودة وقال بعدها " لكِ..ؤ
نظرت أليه بغرابة ثم ترجل من سيارته وخطا خطواته بعيدا عنها..، حتى تخلصت من تفاجؤها وتبعته بعدها..
شعر بوجودها تأتي من خلفه واطلق تنهيدة تعبر عن التعب الداخلي به.. ثم جلس على صخرة كبيرة وخلع عنه قميصه الازرق مكتفيا بما يرتدي اسفله من بلوزة بيضاء اللون..
يتأمل جمال البحر الازرق شارداً ذهنه يعبث في حبات الرمل الشقراء بعصى بنية.. ولكن قطع عليه هذا التأمل..، صوتها..
"جميل هذا المكان هل تأتي دائما الى هنا؟!"
أخذ نفساً عميقاً ثم أجابها ببروده المعتاد "كثيرا.."
لوت شفتيها بضيق وخلعت عنها حذائها ووضعته جانبا ثم بدأت تسير باقدامها بكل حرية على الرمل.. كانت أشبه بعصفور سجين انطلق لتوه من قفصه حتى يعيش حياته بحرية، بل وكانت اشبه بفتاة صغيرة بريئة وكأنها للمرة الاولى ترى جمال الطبيعة...... )
****
وقف يتأمل بيته المليء بشموع انارت ليلته الماضية، ثم سار بعد أن اغلق الباب وتنهد بتعبٍ ملقياً اكياساً من الخضار والفواكة وبعض مستلزمات المطبخ،..
خلع سترته السوداء ثم دلف إلى غرفة للإطمئنان على والدته، فرآها على حالها د ما زالت تعاني من حرارتها المرتفعة وكمادات الماء البارد موضوعة على جبينها.. جسدها النحيل الذي يرفض اغلب انواع الطعام.. واخته الصغيرة تعاني من الان ذلك الهم الكبير الذي لا يتناسب مع عمرها، ففتاة مثلها تكون تلعب وتلهو مع اصدقائها... اما هي فتجلس بين كتبها تارة تدرس وتارة اخرى تضع تلك الكمادات....
قاطع نظراته الضعيفة الحزينة رنين هاتفه،
همس متقدماً باتجاه الصوت " لا بد أنها ريم، قلقة.."
وأصاب حدسه عندما رأى اسمها يضيء على الشاشة،..
"مرحباا..ما اخباارك؟!"
جاءه صوتها كعادته مرحا سعيدا ولكن بنبرة خوف وقلق..جعله يبتسم من اعماق قلبه للحياة التي بعثت له لتعوضه عن كل شيء
"اهلاا ريم.."
تسائلت بقلق "اين انت..هاتفك مغلق منذ يومين؟!.."
اجاب بعد ان تمدد على تلك الكنبة القديمة وهو يبتسم "بسبب انقطاع الكهرباء ..وهاتفي كان مغلق بسبب فراغ بطاريته.."
ثم اكمل بمزاحه المعتاد "لا بد انك اشتقتِ الي.."
اجابت في نفسها "اجل..اشتقت كحجم سماء الدنياا يا غبي" ولكنها ردت مازحة "ولم اشتاق؟! ..وانا بين كتبي ادرس..ثم اتصالي ليس شوقا.."
اكمل عنها "بل لانكِ تريدين خدمة ما.. هيا اخبريني يا كسولة ما هو الامر المهم الذي تحتاجين لمساعدة البطل المغوار به؟!.."
نهضت من مكانها متجهة خارج الصالة ثم قالت بسخرية "حسنا ايها البطل المغوار برغم انني ازعجتك ذلك اليوم سأقول انا متأسفة.. "
تنهد بتعب وهو يعود بذاكرته الى ذلك اليوم ثم قال بكلام صادق "بل انا الذي أتأسف بسبب تصرفي الغبي ولكن "
" ولكن ماذا!!"
" بشأن ذلك اليوم !! هل تحدثت مع صديقتك أمل !!"
قالت باستغراب و غيرة " لماذا ؟!"
أخذ يدخل يده بين خصلات شعره المتناثرة بارتباك " اعني انه .. "
قالت بنفاذ صبر " رائد هيا تكلم !! "
" أراها مغرورة بعض الشيء.. و لا تجالس أحداً.. بعكسك تماماً انتما مختلفتان !! "
أجابته بتفكير " ربما .. افكارها وسلوكها مختلف عني قليلاً... " اكملت بعد أن أخذت نفساً عميقاً وهي تتذكر العبارات التي تبثها عنه " ولكنها صديقتي منذ الطفولة برغم تفكيرها الغريب.. "
" اذا احذري منها .. وحاولي ان لا تنجذبي لأفكارها كثيراً.."
" لا تقلق بحيال هذا.. مع انها صديقتي ولكنني أراها تهتم بجمالها والمظاهر أكثر من كل شيء وانا لست كذلك،، ولكنها طيبة !!"
قال بصوت خافت " لو أنها طيبة لما كانت فعلت ما فعلته في ذلك اليوم.. "
" وماذا به ذلك اليوم.. أما زلت منزعجاً !!" تساءلت بحزن.. فيجيبها بعد أن ضرب رأسه " لا ليس هذا ،،فقد قابلتها وقالت انكما متشاجرتان.." وأكمل عندما صمتت " انت من عليك مسامحتي"
ثم بسخرية "لقد كنت خائفاً على سيارتك.."
ضحكت باستخاف ثم قالت بجدية "بعيدا عن المزاح قليلا..اريدك بشيء مهم.."
تسائل بقلق "وماا هو ؟!"
اكملت بضيق "انت تعلم ان الغد اول اختبار لي وهذه المادة اهملتها جدا اريدك..."
قاطعها مقلدا نبرتها بنعومة "اريدك ان تساعدني في حل بعض المسائل..ارجوك عزيزي رائد..ساشتري لك الشوكولاتة.."
ضحكت ريم ثم قالت وهي تأخذ بعضا من الاوراق التي توجد على مكتبها وتتوجه خارج الغرفة "دائما هكذا تسخر مني..ولكن اناا لا اتحدث هكذا.."
قال بمرح وهو يحك رأسه "اذن من الذي يتكلم هكذا.."
صرخت به "راائد..."
"حسنا حسنا..سابدل ملابسي واعطي الدواء لامي واعود لاتحدث اليكِ ولا تنسي الشوكلاتة غدا.." اجابها وهو يعتدل في جلسته
ابتسمت ريم و قالت بامتنان "شكرا لك ياا قل..." وبترت عبارتها بحرج ثم اكملت بسرعة "هيا علي الذهاب الان الى اللقاء.."
اغلقت هاتفها وتضمه فيما بعد ناحية صدرها..والذي يحتوي بين اضلعه تلك العضلة التي تزايد عدد مرات انقباضها ...وعلى محياها ابتسامة خجلة وهي تشعر باناملها ترتجف من الخجل والاحراج..كانت لثانية واحدة ستخبره بانه قلبها حياتها وعمرها الذي لن تستطيع العيش بدونه ...ولكن أليس مبكرا في ان تعترف له بمشاعرها قبل ان يعترف هو؟!... تنهدت تنهيدو طويلة وقالت بصوت عالٍ وهي تجتذب كتبها "ولكن متى يحين ذلك الوقت؟"...
وما زالت قمر في الصالة شاردة الذهن في ذلك اليوم، بل في ذلك الرجل الحديدي البارد - هكذا اسمته - وضحكت على ذلك المسمى واكملت مشوار ذكرياتها...
كانت اشبه بفتاة صغيرة بريئة وكأنها للمرة الاولى ترى جمال الطبيعة، تدور حول نفسها بمرح امام نظراته الفرحة الحزينة في نفس الوقت وابتسامته التي شقت طريقها على وجهه عندما رآها تتعثر وتقع ارضا لمرات عدة الى ان آل بها المطاف ان تجلس على حبات الرمل بعد شعورها بالتعب...
و بعد ان جلست على الرمل من شدة تعبها حتى ترتاح قليلا تتفاجئ بيد ممدودة نحوها تقدم لها كوبا من العصير البارد. ومن غير ذلك الرجل الحديدي سيقدمه لها؟!..
فانتشلته بسرعة وانتقلت بنظرها الى ذلك الجيتار الخشبي الذي يحمله بيده الاخرى... لقد كان جيتاراً خشبياً بني اللون.. ظلت انظارها عليه الى ان عاود الجلوس على نفس الصخرة التي كان يجلس عليها وبدأ يعبث به وتمشي انامله على اوتاره السوداء فتخرج منه أعذب الالحان وأجملها .. وبدأ بصوته الدافئ الحنون يخرج اعذب الكلمات وعيونه المغلقة بألم..
أصابگ عشقٌ أم رميت باسهمٍ..
فما هذه إلا سجية مغرم..
ألا فاسقني كاسات وغني لي..
بذكر سليمة والكمان ونغمي.
أيا داعياً باسم العامرية أنني..
أغار عليها من فم المتكلم..
أغار عليها من ثيابها..
اذا لبستها فوق جسم منعم..
(مقتبس)
اغلقت عيونها مستمعةً الى صوته الذي يغلفه بحة خفيفة زادت من نبضات قلبها الرقيق.. لتعترف حينها انها ادخلت شيئا جديدا الى قلبهاا.. وهو الحب..؟! نعم فستعترف بانها ادخلت ذلك الرجل الحديدي الى قلبهاا وسيطبع اسمه في تجاويفه.. وزادت ابتسامتها حين ذلك.. و ازهرت وجنتاها حقولا من الزهور الحمراء ..
ولكن حقاً، هل عرف الحب طريقاً الى قلب قمر برغم العلاقة المشحونة بينهما؟!
******
كانت عقارب الساعة تشير الى الثانية من بعد ظهر هذا اليوم.. وهو يتنهد بتعب رافعاً رأسه عن كومة الاوراق الملقية على مكتبه.. أسند رأسه بتعب مغمضاً عيونه من شدة الالم الذي حل بعنقه.. ثم مد يده ودلكها حتى شعر بالراحة شيئا فشيئا..
عاود النظر الى تلك الاوراق التي لم ينتهي منها.. و لاحت على شفتيه ابتسامة باهتة بعد ان القى بنظره الى احد الملفات ثم ابتعد عن المكتب متجهاً نحو دورة المياة ليغسل وجهه ويديه.. ويعود بالخروج منها ليلقي بجسده على سريره بكل تعب.. ثم بدأ طيف تلك الفتاة بالظهور امامه وهي تركض وشعرها المجعد الذي يطير بكل حرية على جانبيها ليصنع منها فراشة جميلة تتنقل من مكان الى اخر... ولكن لماذا تعود صورة حبيبته السابقة امامه؟! وتتمثل بذلك الملاك؟! فتلوث برائتها وعفويتها وجمالها الداخلي... ويصبح قلبه قاسيا عليها غير مكترث الى مدى الالم حين يطلق عليها سمومه البشعة ..
نهض من مكانه جالساً على سريره بكل جمود طاردا افكارا بدأت تغزو رأسه.. وتحامل على نفسه ليخرج من عزلته ويسير باتجاه المرسم.. حيث يكون بالطرف الاخر من الممر المؤدي الى غرفته..
لا يدري حقاً لما راودته نفسه بالقدوم الى هنا و لا يعلم مدى التشابه بينه وبين تلك اللوحة الذي تظهر بعضاً من الملامح المرسومة بقلم من الرصاص ..
لعن قدماه عدة مرات - والتي قادته الى هنا - حينما تولدت بعض من المشاعر في داخله.. وعاد ادراجه ممسكاً قبضة الباب ولكن لفت انتباهه تلك الصورة المعلقة على الحائط.. فأخذ يتأملها باعجاب وانبهار،..
كانت عيناً ذات لون أزرق يشارك السماء في صفائها وعلى اهدابها الشقراء يجلس شاباً مبهم الملامح ممسكاً بجيتاره الخشبي ويعبث فيه مطلقاً الحانه حيث رسمتها كأنها عصافير تخرج من الجيتار مطربةً مسامع الجميع ،،
ضيقَ عيونه للحظة، يبدو هذا المشهد مألوفاً عليه.. عيون زرقاء كأنها بحر هادئ.. اهداب شقراء .. شاب يعزف !! واتسعت عيناه بغير تصديق
"كيف استطاعت رسمها في ثلاثة أيام ؟! "
فابتسم باعجاب مبتعداً عن هذا المكان.. ويسير باقدامه متجها للاسفل، توقف على احدى احدى العتبات عندما رأى شقيقته الحمقاء تغني وتدندن باغاني الحب والغزل..
فقال بسخرية " شقيقتي المجنونة تحب؟!"
شهقت بقوة عندما ظهر امامها بشكل مفاجئ.. وقد توترت اطرافها .. "ليس شرطاً ان كنت اغني فانني احب..!!"
" وما سر هذا الاحمرار..؟!" واخذ يشير الى وجنتيها المحمرتين بكل خبث
قالت بحنق "وما شأنك؟!"
"ألست شقيقك.. فيجب ان يكون هناك شأن لي.. هيا اخبريني من يكون..؟!"
قالت بجمود وهي تبتعد "عندما تعود مجد الذي اعهده اخبرك بكل شيء.."
وبقي مكانه مندهشاً وقد شعر بسيف يمزق صدره من كلماتها تلك.. وعاودت اقدامه بالمسير ببروده المعتاد محاولاً ان يتناسى كلماتها ولكنه وقف ينظر الى ملاكه ذاك تقف على النافذة شاردة الذهن وابتسامة خجل على محياها زادتها جمالاً..
تبا لكِ يا نفسي كم انتِ حمقاء.. لا يجب ان تتطور اكثر من ذلك.. يجب ان يقف قلبي الى هنا.. سأدوس على قلبي فقط من اجل ان لا اتعرض لشيء كالذي مررت به.. يجب عليك ان تكابر يا مجد... قال ذلك في نفسه ومضى مسرعا نحو الخارج مخرجاً معه كل شيء علق في قلبه.. ولكنه تفاجئ بذلك الذي يقف امامه موجهاً انظاره نحو النافذة... فأخذ بصره ينتقل بينهما بغير تصديق منقهراً من فعلتها الشنيعة وعاد الدم يغلي ويفور في نفسه وهو يقف مندهشاً وكأن سهما من سهام الغيرة أخذت تسلك طريقها الى قلبه.. وأخذ يشد على قبضتيه و بغضب شديد " تباً لك يا رامي.."
********
لا شيء يمكن ايقافه عند حده.. مليئاً بالأنانية والجشع.. كيف لها أن تستوعب هذا.. ربما اواها في منزله أغدق عليها من عطفه وهي الغريبة التي كانت بلا ملجأ، سُرقت أحلماها فمنحها هو جزءاً منها،
ولكنه اكتفى بالعطاء عليها، فقط…
استمعت الى حديثه مجدداً، يؤنبها ويوبخها .. يحاول بشتى الطرق اثناء قراراتها،، ثم وأخيراً صرخ بها عبر الهاتف: " يكفي، دعيه وشأنه.. لماذا تنفقين عليهم، لقد أصبح كبيراً ويستطيع.."
قالت وهي تخرج من احدى البنايات الشاهقة " لن أدعه.. بل أنت كفاك ما فعلته حتى الان.."
جاء صوته مخيفاً كالعادة " اسمعيني جيداً يا جيداء.. رائد ووسوف تبتعدين عنه والا.."
قاطعته بلؤم حاد " والا ماذا؟ هل سوف تسرق كل شيء مني وتبقيني جائعة مريضة مثله؟"
" جيداااء..."
" لا يمكنك ايقافي ابدا.." تحدثت بتصميم، ثم اغلقت الهاتف وزفرت بحرارة..
جلست على أحدى مقاعد الحديقة، وأخذت نفساً عميقاً.. لا تشابه ابدا ما بين ما منحها اياه من آداب وتربية وبين سلوكه، أغمضت عيناها ترى في ذاكرتها السنين الماضية..
كل شيء أصبح له، المنصب والمال، المنازل والشركات.. كل شيء وماذا يريد أكثر..!
إنها تقوم بما لم يفعله هو مع رائد، بل وأنها تفعل ما تستطيع وتعطيه ما يستحقه وان كان قليلاً…
أخرجت زفيراً عميقاً، ليس عليها أن تقف مكتوفة الأيدي بعد الآن... يجب أن تسعى للوصول للحقيقة، ينبغي عليها أن تضع حداً للظلم وأن تتحقق العدالة مع رائد…
وقفت على أقدامها بقوة وهمست " سوف اجد تلك الوثيقة التي تدينك يا والدي.."
*********
ومع انقضاء النهار..
كانت اصوات المعالق تصطدم بتلك الأواني البيضاء على مائدة الطعام يتردد صداها في عقله وهو جالس ينظر الى ذلك الكرسي الفارغ امامه. انها المرة الاولى التي لا يراها عندما يجلس لتناول الطعام معهم ..وايضا انها المرة الاولى الذي يعير اختفائها اهتماما..
زفر بضيق وهو يحول بنظره ناحية كرسي والدته الفارغ ..ابتسم بسخرية وهو على يقين ان والدته تقضي ليلة مع اصدقائها متناسية هذا المنزل والعائلة و الذي يتوجب ان تكون معهم وبينهم.. ثم عاد ونظر الى كرسيها من جديد وعادت صورة تلك اللوحة تلوح بالأفق وابتسم بهدوء سرعان ما كسى الجمود ملامحه عندما كانت تقف على النافذة باسمة المحيا تنظر بكل سعادة الى رامي ولا يدري كم مر من الوقت وما تزال يده معلقة بالهواء ينظر الى صورتها الخيالية والتي تهيأها عقله يحمل بين اصابع يده اليمنى تلك الملعقة المملوئة ببعض من الارز الابيض الا عندما تنبه على صوت جدته الذي يحيرها امره وهي تقول :
"عزيزي مجد.. لم لا تأكل؟!"
اجابها بابتسامة :
"لا شيء.. كنت افكر بأمر فرع الشركة الذي في باريس"
اجابه الجد :
"على ما يرام.. فيديره ماجد كما تعلم.."
اومأ رأسه بهدوء وهو يعاود اجتذاب ملعقته ويشرع بالاكل من جديد..بينما كان والده يتحدث الى الجد عن امور الشركة فماا كان من ريم التي كانت تجلس بهدوء ان تقول بانزعاج :"عدناا لحديث العمل."
ثم اكملت وهي توجه حديثها الى جدها ووالدها: "يا جدي الجميل وياا والدي الوسيم تحدثاا مثلاا عن رحلة او عن المزرعة التي سنذهب اليها بعد ان انهي اختباراتي"
مجد بسخرية: "وهل سيتحدثان عن امور سخيفة تشغل عقلك السخيف.."
نظرت اليه بحنق ثم عادت ونظرت الى جدتها لتقول: "ااه .. جدتي ألم تخبركِ قمر متى سيعوداان؟!"
وهنااا انشدت جميع حواسه الى ذلك الاسم الذي خرج من فم ريم..وهو يريد من قبل ان يعلم اين هي؟!ولكن لا يدري اي حجة سيلفقها للسؤال عنها؟!ولكنه ابتسم من داخله لانه واخيراً سيعلم اين تكون وماا سبب اختفائها!!..ولكن الى اين ذهبت ومع من؟!..واخذ يأكل وكأن الامر لا يهمه اطلاقا..ولكن كانت اذنيه مسافرة الى حيث الكلمات التي تخرج من فم جدته..
"لا اعلم..قالت لي ان رامي سيوصلها عندما ينتهي الحفل.."
زفر بحرارة وهو يستمع الى ذلك الحديث ولا يدري لماا شعر بالغضب حينما علم ان قمر ذهبت الى ذلك الحفل الخيري مع رامي ..فما كان منه الا ان يكور يده اليسرى بغضب وهو يضرب على ساقه بقهر..فقد ذهبت برفقة رامي الى حيث المأوى التي كانت تقيم به منذ سنوات.. ذاهبةً حتى تحيي ذكرى انشائه بين زميلاتها،،بين جدران ذلك المأوى والذي رعاها لمدة طويلة كانت به وحيدة..لا توجد عائلة تحميها وتعيش معها بسعادة..
تنهد بضيق وهو يستمع الى عبارات الاعجاب التي اخرجها الجميع على مظهر قمر حينما ذهبت الى ذلك الحفل واشاروا الى حسن اخلاقها ..ولم يكتفو بذلك فقدد ذكروا الشيء الكثير عنها وهو صامت لا يدري ماذا يقول..هل يقول بانها جميلة كتلك الجميلة التي اوجعت قلبه وتركته لتكون ملكا لشخص اخر..ولكن هو لماذا ما زال قلبه متعلق بتلك الفتاة وما زال يتعذب عندما يأتي طيفها الى ذاكرته...لماذا لا يفتح قلبه الى طريق جديد.. وليكون ذلك الحب الجديد انقى واصفى من ذلك الحب الخبيث الذي بقي اثره على قلبه..كجرح عميق بقيت اثاره على جلد ذلك الانسان الذي وبعد التئام الجراح بقيت هناك علامة على جسده..وكانت تلك العلامة وهو انكسار قلبه....
لا يدري لماذا كان يخاف من حب جديد..فيكون ذلك الحب الجديد اقسى واعنف من الحب الذي يسبقه....هل كان خوفه من ان يمضي علاقة ستكون نتيجتها الفشل كسابقتها؟!
هل كان يخاف من تلك الانسانة التي بدأ ينجذب اليها بان تكون مثل جيني التي خانته وتزوجت من رجل آخر متناسية ايام حبهم الجميلة؟!
هل ينكر ذلك الحب الجديد ويقسو على قلبه..لان طيف تلك الذكرى الكريهة ما زالت تفوح رائحتها في خياله والتي تتمرد كل ليلة تجعله يتوجه الى دولابه الصغير والذي يحوي صندوقا خشبيا بداخله بعضٌ من الصور القديمة فيتأملها بكل ضيق وحزن من أجل جميع الذكريات والاحلام التي لم تكتمل والتي جعلت قلبه يشيخ قبل الاوان....
ولكن كانت هذه الليلة مختلفة عن سابقتها فقد نهض من بين اكوام تلك الاوراق على مكتبه والذي يشغل نفسه بها ليبعد افكاره المتزاحمة في طرقات عقله.. ثم يتوجه بعدها نحو ذلك الصندوق الذي يخبئ فيه ذكرياته القديمة حيث اصبحت عبئا وهماً كبيرا على قلبه ،، فيقوم بفتحه واخذ الصور منه.. ويغادر غرفته متوجها حيث موقد النار الموجود في احدى زوايا الحديقة الخلفية لمنزلهم.
يشعله وتتصاعد نيرانه في هذه الليلة والتي يتوسط سمائها هلالها المضيء...وتبدأ تلك النيران الحارقة بان تستقبل صورة تلو الاخرى..لتحولها فيما بعد الى رماد اسود...
*******
كانت طريق العودة تحت ضوء الهلال متوسطاً سماء سوداء كالحة ومن حوله نجوماً براقة...حيث اخذ بريق هذه المجموعة المتمثلة بالقمر والنجوم يضيء طرقات هذه المدينة.. وكان الصمت يعم المكان وهي تنظر تارة الى السماء وتارة اخرى الى الطريق الموحش..كان داخلها يبكي فرحا وحزنا بنفس الوقت..حزنا على فراق اصدقائها في ذلك المأوى وفرحا لرؤيتهم..فقد عادت لها ذكرياتها المؤلمة والسعيدة...عادت لها ذكريات ذلك المأوى وكيف قضت فيه ايامها بل سنين من عمرها دون عائلة... تنهدت بتعب وهي تمسح دمعة حزينة قد خانتها من دون ان ينتبه رامي الذي كان ينظر الى شاشة هاتفه بابتسامة ساخرة ليرميه بعد قليل باهمال .. ولكنه تنبه الى ان مخزون الوقود على وشك ان ينفذ..ولكن لسوء الحظ لا يتواجد في هذا الطريق محطة للوقود.
ما كان منه الا ان ركن سيارته جانبا، وامام نظرات قمر المتسائلة عاود التقاط هاتفه لتسمعه يوجه حديثه الى احدهم "هل يمكنك القدوم الى شارع.....لقد نفذ الوقود..حسنا....لا تتأخر.."
وبعد انهائه المكالمة الهاتفية اسند بجسده على مقعد السيارة بتعب بينما تعلقت عيناه على الطريق الذي امامه.. ثم قال"لقد اتصلت بالسائق لن يتأخر.."
اومأت قمر رأسها بهدوء مبعدةً بصرها نحو تلك الزهرة التي قطفتها لها احدى الفتيات في الحفلة الخيرية..
مر وقت طويل وهي تشغل تفكيرها باشياء كثيرة الى ان لمحت ضوء سيارة يقترب ليتضح انها السيارة التي ستقلهما ، ترجلا من السيارة واستقلا الاخرى مكملين طريق العودة في هذه الليلة القمرية....
.........
....
..
سرت قشعريرة في جميع ارجاء جسدها عندما التقت نظارتها مع نظرات ذلك الشخص والذي شبهته بتمثال اثري في احد المتاحف..يقف بقوته المعتادة وككل لحظة ينظر اليها بعيونه الرمادية التي تتحول الى عيون حمراء نارية تجعلها ترتجف من الخوف..فأي ذنب اقترفته لتتلقى تلك السموم منه..واي فعل قد فعلته لترى تلك اليد الممتدة على معصمها مكبلا اياها بيده القوية وهو يقف غاضبا ويشد على اسنانه موجها كلامه اليها بعد ان رآها تتجه ناحية الباب الرئيسي لتدخل غير مبالية به..واكثر ماا اثار قهره هو هدوءها..لذلك انقض كأسد يريد التهام فريسته ليشفي غليله..
"انت كيف تعودين بعد منتصف الليل؟!"
نظرت اليه وهي تعتصر من الالم....وحاولت قدر الامكان ان تفلت يدها من ذلك الوحش الذي انقض عليها..ولكن ما باليد من حيلة..فكيف هي الضعيفة الهزيلة ذات الجسد النحيل تستطيع افلات يدها من ذلك الرجل الحديدي..
ثم اكمل وهو ينظر اليها باحتقار "هل كانت امسية رائعة تجعلك تتناسين ان هذا البيت الذي احتواكِ له ادابه..؟!"
وهناا ضربها باشد السيوف حدة وانه ما زال يذكرها بشفقته عليها... ثم أكمل بذات النبرة وهو ينظر ناحية البوابة " أم ان الوقت مر بسرعة مع حبيبك!!"
شلتها الصدمة من اتهامه ذاك،، و ما عاد.بمقدورها ان تتحمل تلك الالام التي ألمت بجسدها وقلبها..فاغرورقت عيونها بالدموع ثم تشكل سيلا من اللالئ التي اضاءت في عتمة الليل ومع ضوء القمر كانت اشبه ببلورات انعكس بريقها على عيونه الرمادية اأخذت تنظر اليها بحيرة وقالت بصوت ضعيف مكسور "يكفي ارجوك"..ثم اكملت بقهر "لقد نفذ مخزون الوقود وتأخر السائق.."
وما كان منها الا ان سحبت يدها من بين يده عندما شعرت بارتخائها قليلا تعاود مسيرها للداخل بجبال من الحزن وشلالات من الدموع بسبب افعاله التي لا تستطيع ان تضع تفسيرا منطقيا لها.. اجهشت بالبكاء وهي تتمدد على سريرها تتذكر سلوكه الهادئ قبل أيام عندما كان هدوءه غير المعتاد يحيرها..وما كان هذا الهدوء هو الهدوء الذي يسمى ما قبل العاصفة... و بعد عناء نحيبها الذي وصل الى مسامعه عندما اقترب من بابها واضعاً يده اليمنى على صدره يشير ناحية قلبه لتغط في نوم عميق يخفف من وطأة الاعباء والحزن بسبب ذلك الرجل البارد الحارق الذي يلقي بسمومه الحارقة عليها و التي تهيج بحارا ومحيطات من الغم والحزن في قلبها...ظنا منها بأن ذلك النوم سيأخذها الى الطمأنينة والسكينة والى عالم اخر لا يوجد به شيء يكدر نومها الهانئ ؛؛؛ ولكنها لا تدري حقا عن تلك العلاقة الوثيقة بين حزنها والاحلام المزعجة التي تراودها ليلا...
........
....
..
.
يتبع..
(4)
ابتسمت بهدوء وهي تقلب صفحات مجلةٍ تحتوي في طياتها أخباراً عن الجمال والموضة.. وبيدها الأخرى كوباً من القهوة المرة أعدتها لنفسها ولريم، خاصة عندما رأتها منهمكة في الدراسة واضعة رأسها بين كتبها الجامعية..
تمعنتها بهدوء شديد ولمع في عينيها بريق من الحزن، وهي ترى أن حلماً صغيراً قد ضاع بسبب طفولتها المريرة..، فقد كانت تحلم بأن تصبح مديرة أعمال يلمع صيتها في كل بلد.. يذكرها الناس بحسن إدارتها وجدارتها.. ولكن ذلك الحلم البسيط قد انتهكه القدر ولم يكن بمقدورها التعلم فلم يسمح لمأوى الايتام أن يتكفل بتعليمها الجامعي وما كان منها حينها بعد أن لم تطاوعها نفسها على الخروج الى عالمعا أصرت أن تعمل في المأوى التي تربت به.. واثناء معيشتها وعملهاا هناك تعلمت مهارة الرسم وطورتها،...
فيما بعد، لاحظت أنها وصلت الى آخر صفحات المجلة، وقفت ثم توجهت حيث النافذة المطلة على الحديقة المكسوة باللون الاخضر ولون الورود الحمراء.. ثم راح فكرها الى ذلك اليوم،..
اتسعت ابتسامتها وهي تعود لما وراء أيامِ قليلة، عندما ذهبت برفقة مجد لشراء معدات الرسم ... وبعد ان انتهت من شراء ما يلزمهاا... عادت بادراجها نحو سيارته.. ثم ينطلقا برحلة العودة بعد شبه حديث قصير دار بينهما.. والصمت فرد جناحيه في تلك السيارة ..
( أغمضت عيونها المليئة بالدموع بألم.. حتى تغوص داخل بحر آلامها بصمت موحش.. ولا تدري كم من الوقت مضى حتى سمعت صوته الجااف وكأنه يأتي من الأعماق قائلاً: "لقد وصلنا.."
رفعت عيونها الحمراء الدامعة وتحولت بعدها الى عيون دامعة مندهشة، فقد كانت السيارة مركونة بجانب الشاطئ .. بمنطقة جزئية منه بعيدة عن الاخرين يشعر القادم اليه براحة كبيرة..
مسحت دموعها بظاهر يدها اليمنى امام نظراته المستغربة.. ثم لاحت شبه ابتسامة شاحبة على وجهها البريء..
تحدث بهدوء " سيكون هذا المكان جيداً.."
صمت لثوانٍ معدودة وقال بعدها " لكِ..ؤ
نظرت أليه بغرابة ثم ترجل من سيارته وخطا خطواته بعيدا عنها..، حتى تخلصت من تفاجؤها وتبعته بعدها..
شعر بوجودها تأتي من خلفه واطلق تنهيدة تعبر عن التعب الداخلي به.. ثم جلس على صخرة كبيرة وخلع عنه قميصه الازرق مكتفيا بما يرتدي اسفله من بلوزة بيضاء اللون..
يتأمل جمال البحر الازرق شارداً ذهنه يعبث في حبات الرمل الشقراء بعصى بنية.. ولكن قطع عليه هذا التأمل..، صوتها..
"جميل هذا المكان هل تأتي دائما الى هنا؟!"
أخذ نفساً عميقاً ثم أجابها ببروده المعتاد "كثيرا.."
لوت شفتيها بضيق وخلعت عنها حذائها ووضعته جانبا ثم بدأت تسير باقدامها بكل حرية على الرمل.. كانت أشبه بعصفور سجين انطلق لتوه من قفصه حتى يعيش حياته بحرية، بل وكانت اشبه بفتاة صغيرة بريئة وكأنها للمرة الاولى ترى جمال الطبيعة...... )
****
وقف يتأمل بيته المليء بشموع انارت ليلته الماضية، ثم سار بعد أن اغلق الباب وتنهد بتعبٍ ملقياً اكياساً من الخضار والفواكة وبعض مستلزمات المطبخ،..
خلع سترته السوداء ثم دلف إلى غرفة للإطمئنان على والدته، فرآها على حالها د ما زالت تعاني من حرارتها المرتفعة وكمادات الماء البارد موضوعة على جبينها.. جسدها النحيل الذي يرفض اغلب انواع الطعام.. واخته الصغيرة تعاني من الان ذلك الهم الكبير الذي لا يتناسب مع عمرها، ففتاة مثلها تكون تلعب وتلهو مع اصدقائها... اما هي فتجلس بين كتبها تارة تدرس وتارة اخرى تضع تلك الكمادات....
قاطع نظراته الضعيفة الحزينة رنين هاتفه،
همس متقدماً باتجاه الصوت " لا بد أنها ريم، قلقة.."
وأصاب حدسه عندما رأى اسمها يضيء على الشاشة،..
"مرحباا..ما اخباارك؟!"
جاءه صوتها كعادته مرحا سعيدا ولكن بنبرة خوف وقلق..جعله يبتسم من اعماق قلبه للحياة التي بعثت له لتعوضه عن كل شيء
"اهلاا ريم.."
تسائلت بقلق "اين انت..هاتفك مغلق منذ يومين؟!.."
اجاب بعد ان تمدد على تلك الكنبة القديمة وهو يبتسم "بسبب انقطاع الكهرباء ..وهاتفي كان مغلق بسبب فراغ بطاريته.."
ثم اكمل بمزاحه المعتاد "لا بد انك اشتقتِ الي.."
اجابت في نفسها "اجل..اشتقت كحجم سماء الدنياا يا غبي" ولكنها ردت مازحة "ولم اشتاق؟! ..وانا بين كتبي ادرس..ثم اتصالي ليس شوقا.."
اكمل عنها "بل لانكِ تريدين خدمة ما.. هيا اخبريني يا كسولة ما هو الامر المهم الذي تحتاجين لمساعدة البطل المغوار به؟!.."
نهضت من مكانها متجهة خارج الصالة ثم قالت بسخرية "حسنا ايها البطل المغوار برغم انني ازعجتك ذلك اليوم سأقول انا متأسفة.. "
تنهد بتعب وهو يعود بذاكرته الى ذلك اليوم ثم قال بكلام صادق "بل انا الذي أتأسف بسبب تصرفي الغبي ولكن "
" ولكن ماذا!!"
" بشأن ذلك اليوم !! هل تحدثت مع صديقتك أمل !!"
قالت باستغراب و غيرة " لماذا ؟!"
أخذ يدخل يده بين خصلات شعره المتناثرة بارتباك " اعني انه .. "
قالت بنفاذ صبر " رائد هيا تكلم !! "
" أراها مغرورة بعض الشيء.. و لا تجالس أحداً.. بعكسك تماماً انتما مختلفتان !! "
أجابته بتفكير " ربما .. افكارها وسلوكها مختلف عني قليلاً... " اكملت بعد أن أخذت نفساً عميقاً وهي تتذكر العبارات التي تبثها عنه " ولكنها صديقتي منذ الطفولة برغم تفكيرها الغريب.. "
" اذا احذري منها .. وحاولي ان لا تنجذبي لأفكارها كثيراً.."
" لا تقلق بحيال هذا.. مع انها صديقتي ولكنني أراها تهتم بجمالها والمظاهر أكثر من كل شيء وانا لست كذلك،، ولكنها طيبة !!"
قال بصوت خافت " لو أنها طيبة لما كانت فعلت ما فعلته في ذلك اليوم.. "
" وماذا به ذلك اليوم.. أما زلت منزعجاً !!" تساءلت بحزن.. فيجيبها بعد أن ضرب رأسه " لا ليس هذا ،،فقد قابلتها وقالت انكما متشاجرتان.." وأكمل عندما صمتت " انت من عليك مسامحتي"
ثم بسخرية "لقد كنت خائفاً على سيارتك.."
ضحكت باستخاف ثم قالت بجدية "بعيدا عن المزاح قليلا..اريدك بشيء مهم.."
تسائل بقلق "وماا هو ؟!"
اكملت بضيق "انت تعلم ان الغد اول اختبار لي وهذه المادة اهملتها جدا اريدك..."
قاطعها مقلدا نبرتها بنعومة "اريدك ان تساعدني في حل بعض المسائل..ارجوك عزيزي رائد..ساشتري لك الشوكولاتة.."
ضحكت ريم ثم قالت وهي تأخذ بعضا من الاوراق التي توجد على مكتبها وتتوجه خارج الغرفة "دائما هكذا تسخر مني..ولكن اناا لا اتحدث هكذا.."
قال بمرح وهو يحك رأسه "اذن من الذي يتكلم هكذا.."
صرخت به "راائد..."
"حسنا حسنا..سابدل ملابسي واعطي الدواء لامي واعود لاتحدث اليكِ ولا تنسي الشوكلاتة غدا.." اجابها وهو يعتدل في جلسته
ابتسمت ريم و قالت بامتنان "شكرا لك ياا قل..." وبترت عبارتها بحرج ثم اكملت بسرعة "هيا علي الذهاب الان الى اللقاء.."
اغلقت هاتفها وتضمه فيما بعد ناحية صدرها..والذي يحتوي بين اضلعه تلك العضلة التي تزايد عدد مرات انقباضها ...وعلى محياها ابتسامة خجلة وهي تشعر باناملها ترتجف من الخجل والاحراج..كانت لثانية واحدة ستخبره بانه قلبها حياتها وعمرها الذي لن تستطيع العيش بدونه ...ولكن أليس مبكرا في ان تعترف له بمشاعرها قبل ان يعترف هو؟!... تنهدت تنهيدو طويلة وقالت بصوت عالٍ وهي تجتذب كتبها "ولكن متى يحين ذلك الوقت؟"...
وما زالت قمر في الصالة شاردة الذهن في ذلك اليوم، بل في ذلك الرجل الحديدي البارد - هكذا اسمته - وضحكت على ذلك المسمى واكملت مشوار ذكرياتها...
كانت اشبه بفتاة صغيرة بريئة وكأنها للمرة الاولى ترى جمال الطبيعة، تدور حول نفسها بمرح امام نظراته الفرحة الحزينة في نفس الوقت وابتسامته التي شقت طريقها على وجهه عندما رآها تتعثر وتقع ارضا لمرات عدة الى ان آل بها المطاف ان تجلس على حبات الرمل بعد شعورها بالتعب...
و بعد ان جلست على الرمل من شدة تعبها حتى ترتاح قليلا تتفاجئ بيد ممدودة نحوها تقدم لها كوبا من العصير البارد. ومن غير ذلك الرجل الحديدي سيقدمه لها؟!..
فانتشلته بسرعة وانتقلت بنظرها الى ذلك الجيتار الخشبي الذي يحمله بيده الاخرى... لقد كان جيتاراً خشبياً بني اللون.. ظلت انظارها عليه الى ان عاود الجلوس على نفس الصخرة التي كان يجلس عليها وبدأ يعبث به وتمشي انامله على اوتاره السوداء فتخرج منه أعذب الالحان وأجملها .. وبدأ بصوته الدافئ الحنون يخرج اعذب الكلمات وعيونه المغلقة بألم..
أصابگ عشقٌ أم رميت باسهمٍ..
فما هذه إلا سجية مغرم..
ألا فاسقني كاسات وغني لي..
بذكر سليمة والكمان ونغمي.
أيا داعياً باسم العامرية أنني..
أغار عليها من فم المتكلم..
أغار عليها من ثيابها..
اذا لبستها فوق جسم منعم..
(مقتبس)
اغلقت عيونها مستمعةً الى صوته الذي يغلفه بحة خفيفة زادت من نبضات قلبها الرقيق.. لتعترف حينها انها ادخلت شيئا جديدا الى قلبهاا.. وهو الحب..؟! نعم فستعترف بانها ادخلت ذلك الرجل الحديدي الى قلبهاا وسيطبع اسمه في تجاويفه.. وزادت ابتسامتها حين ذلك.. و ازهرت وجنتاها حقولا من الزهور الحمراء ..
ولكن حقاً، هل عرف الحب طريقاً الى قلب قمر برغم العلاقة المشحونة بينهما؟!
******
كانت عقارب الساعة تشير الى الثانية من بعد ظهر هذا اليوم.. وهو يتنهد بتعب رافعاً رأسه عن كومة الاوراق الملقية على مكتبه.. أسند رأسه بتعب مغمضاً عيونه من شدة الالم الذي حل بعنقه.. ثم مد يده ودلكها حتى شعر بالراحة شيئا فشيئا..
عاود النظر الى تلك الاوراق التي لم ينتهي منها.. و لاحت على شفتيه ابتسامة باهتة بعد ان القى بنظره الى احد الملفات ثم ابتعد عن المكتب متجهاً نحو دورة المياة ليغسل وجهه ويديه.. ويعود بالخروج منها ليلقي بجسده على سريره بكل تعب.. ثم بدأ طيف تلك الفتاة بالظهور امامه وهي تركض وشعرها المجعد الذي يطير بكل حرية على جانبيها ليصنع منها فراشة جميلة تتنقل من مكان الى اخر... ولكن لماذا تعود صورة حبيبته السابقة امامه؟! وتتمثل بذلك الملاك؟! فتلوث برائتها وعفويتها وجمالها الداخلي... ويصبح قلبه قاسيا عليها غير مكترث الى مدى الالم حين يطلق عليها سمومه البشعة ..
نهض من مكانه جالساً على سريره بكل جمود طاردا افكارا بدأت تغزو رأسه.. وتحامل على نفسه ليخرج من عزلته ويسير باتجاه المرسم.. حيث يكون بالطرف الاخر من الممر المؤدي الى غرفته..
لا يدري حقاً لما راودته نفسه بالقدوم الى هنا و لا يعلم مدى التشابه بينه وبين تلك اللوحة الذي تظهر بعضاً من الملامح المرسومة بقلم من الرصاص ..
لعن قدماه عدة مرات - والتي قادته الى هنا - حينما تولدت بعض من المشاعر في داخله.. وعاد ادراجه ممسكاً قبضة الباب ولكن لفت انتباهه تلك الصورة المعلقة على الحائط.. فأخذ يتأملها باعجاب وانبهار،..
كانت عيناً ذات لون أزرق يشارك السماء في صفائها وعلى اهدابها الشقراء يجلس شاباً مبهم الملامح ممسكاً بجيتاره الخشبي ويعبث فيه مطلقاً الحانه حيث رسمتها كأنها عصافير تخرج من الجيتار مطربةً مسامع الجميع ،،
ضيقَ عيونه للحظة، يبدو هذا المشهد مألوفاً عليه.. عيون زرقاء كأنها بحر هادئ.. اهداب شقراء .. شاب يعزف !! واتسعت عيناه بغير تصديق
"كيف استطاعت رسمها في ثلاثة أيام ؟! "
فابتسم باعجاب مبتعداً عن هذا المكان.. ويسير باقدامه متجها للاسفل، توقف على احدى احدى العتبات عندما رأى شقيقته الحمقاء تغني وتدندن باغاني الحب والغزل..
فقال بسخرية " شقيقتي المجنونة تحب؟!"
شهقت بقوة عندما ظهر امامها بشكل مفاجئ.. وقد توترت اطرافها .. "ليس شرطاً ان كنت اغني فانني احب..!!"
" وما سر هذا الاحمرار..؟!" واخذ يشير الى وجنتيها المحمرتين بكل خبث
قالت بحنق "وما شأنك؟!"
"ألست شقيقك.. فيجب ان يكون هناك شأن لي.. هيا اخبريني من يكون..؟!"
قالت بجمود وهي تبتعد "عندما تعود مجد الذي اعهده اخبرك بكل شيء.."
وبقي مكانه مندهشاً وقد شعر بسيف يمزق صدره من كلماتها تلك.. وعاودت اقدامه بالمسير ببروده المعتاد محاولاً ان يتناسى كلماتها ولكنه وقف ينظر الى ملاكه ذاك تقف على النافذة شاردة الذهن وابتسامة خجل على محياها زادتها جمالاً..
تبا لكِ يا نفسي كم انتِ حمقاء.. لا يجب ان تتطور اكثر من ذلك.. يجب ان يقف قلبي الى هنا.. سأدوس على قلبي فقط من اجل ان لا اتعرض لشيء كالذي مررت به.. يجب عليك ان تكابر يا مجد... قال ذلك في نفسه ومضى مسرعا نحو الخارج مخرجاً معه كل شيء علق في قلبه.. ولكنه تفاجئ بذلك الذي يقف امامه موجهاً انظاره نحو النافذة... فأخذ بصره ينتقل بينهما بغير تصديق منقهراً من فعلتها الشنيعة وعاد الدم يغلي ويفور في نفسه وهو يقف مندهشاً وكأن سهما من سهام الغيرة أخذت تسلك طريقها الى قلبه.. وأخذ يشد على قبضتيه و بغضب شديد " تباً لك يا رامي.."
********
لا شيء يمكن ايقافه عند حده.. مليئاً بالأنانية والجشع.. كيف لها أن تستوعب هذا.. ربما اواها في منزله أغدق عليها من عطفه وهي الغريبة التي كانت بلا ملجأ، سُرقت أحلماها فمنحها هو جزءاً منها،
ولكنه اكتفى بالعطاء عليها، فقط…
استمعت الى حديثه مجدداً، يؤنبها ويوبخها .. يحاول بشتى الطرق اثناء قراراتها،، ثم وأخيراً صرخ بها عبر الهاتف: " يكفي، دعيه وشأنه.. لماذا تنفقين عليهم، لقد أصبح كبيراً ويستطيع.."
قالت وهي تخرج من احدى البنايات الشاهقة " لن أدعه.. بل أنت كفاك ما فعلته حتى الان.."
جاء صوته مخيفاً كالعادة " اسمعيني جيداً يا جيداء.. رائد ووسوف تبتعدين عنه والا.."
قاطعته بلؤم حاد " والا ماذا؟ هل سوف تسرق كل شيء مني وتبقيني جائعة مريضة مثله؟"
" جيداااء..."
" لا يمكنك ايقافي ابدا.." تحدثت بتصميم، ثم اغلقت الهاتف وزفرت بحرارة..
جلست على أحدى مقاعد الحديقة، وأخذت نفساً عميقاً.. لا تشابه ابدا ما بين ما منحها اياه من آداب وتربية وبين سلوكه، أغمضت عيناها ترى في ذاكرتها السنين الماضية..
كل شيء أصبح له، المنصب والمال، المنازل والشركات.. كل شيء وماذا يريد أكثر..!
إنها تقوم بما لم يفعله هو مع رائد، بل وأنها تفعل ما تستطيع وتعطيه ما يستحقه وان كان قليلاً…
أخرجت زفيراً عميقاً، ليس عليها أن تقف مكتوفة الأيدي بعد الآن... يجب أن تسعى للوصول للحقيقة، ينبغي عليها أن تضع حداً للظلم وأن تتحقق العدالة مع رائد…
وقفت على أقدامها بقوة وهمست " سوف اجد تلك الوثيقة التي تدينك يا والدي.."
*********
ومع انقضاء النهار..
كانت اصوات المعالق تصطدم بتلك الأواني البيضاء على مائدة الطعام يتردد صداها في عقله وهو جالس ينظر الى ذلك الكرسي الفارغ امامه. انها المرة الاولى التي لا يراها عندما يجلس لتناول الطعام معهم ..وايضا انها المرة الاولى الذي يعير اختفائها اهتماما..
زفر بضيق وهو يحول بنظره ناحية كرسي والدته الفارغ ..ابتسم بسخرية وهو على يقين ان والدته تقضي ليلة مع اصدقائها متناسية هذا المنزل والعائلة و الذي يتوجب ان تكون معهم وبينهم.. ثم عاد ونظر الى كرسيها من جديد وعادت صورة تلك اللوحة تلوح بالأفق وابتسم بهدوء سرعان ما كسى الجمود ملامحه عندما كانت تقف على النافذة باسمة المحيا تنظر بكل سعادة الى رامي ولا يدري كم مر من الوقت وما تزال يده معلقة بالهواء ينظر الى صورتها الخيالية والتي تهيأها عقله يحمل بين اصابع يده اليمنى تلك الملعقة المملوئة ببعض من الارز الابيض الا عندما تنبه على صوت جدته الذي يحيرها امره وهي تقول :
"عزيزي مجد.. لم لا تأكل؟!"
اجابها بابتسامة :
"لا شيء.. كنت افكر بأمر فرع الشركة الذي في باريس"
اجابه الجد :
"على ما يرام.. فيديره ماجد كما تعلم.."
اومأ رأسه بهدوء وهو يعاود اجتذاب ملعقته ويشرع بالاكل من جديد..بينما كان والده يتحدث الى الجد عن امور الشركة فماا كان من ريم التي كانت تجلس بهدوء ان تقول بانزعاج :"عدناا لحديث العمل."
ثم اكملت وهي توجه حديثها الى جدها ووالدها: "يا جدي الجميل وياا والدي الوسيم تحدثاا مثلاا عن رحلة او عن المزرعة التي سنذهب اليها بعد ان انهي اختباراتي"
مجد بسخرية: "وهل سيتحدثان عن امور سخيفة تشغل عقلك السخيف.."
نظرت اليه بحنق ثم عادت ونظرت الى جدتها لتقول: "ااه .. جدتي ألم تخبركِ قمر متى سيعوداان؟!"
وهنااا انشدت جميع حواسه الى ذلك الاسم الذي خرج من فم ريم..وهو يريد من قبل ان يعلم اين هي؟!ولكن لا يدري اي حجة سيلفقها للسؤال عنها؟!ولكنه ابتسم من داخله لانه واخيراً سيعلم اين تكون وماا سبب اختفائها!!..ولكن الى اين ذهبت ومع من؟!..واخذ يأكل وكأن الامر لا يهمه اطلاقا..ولكن كانت اذنيه مسافرة الى حيث الكلمات التي تخرج من فم جدته..
"لا اعلم..قالت لي ان رامي سيوصلها عندما ينتهي الحفل.."
زفر بحرارة وهو يستمع الى ذلك الحديث ولا يدري لماا شعر بالغضب حينما علم ان قمر ذهبت الى ذلك الحفل الخيري مع رامي ..فما كان منه الا ان يكور يده اليسرى بغضب وهو يضرب على ساقه بقهر..فقد ذهبت برفقة رامي الى حيث المأوى التي كانت تقيم به منذ سنوات.. ذاهبةً حتى تحيي ذكرى انشائه بين زميلاتها،،بين جدران ذلك المأوى والذي رعاها لمدة طويلة كانت به وحيدة..لا توجد عائلة تحميها وتعيش معها بسعادة..
تنهد بضيق وهو يستمع الى عبارات الاعجاب التي اخرجها الجميع على مظهر قمر حينما ذهبت الى ذلك الحفل واشاروا الى حسن اخلاقها ..ولم يكتفو بذلك فقدد ذكروا الشيء الكثير عنها وهو صامت لا يدري ماذا يقول..هل يقول بانها جميلة كتلك الجميلة التي اوجعت قلبه وتركته لتكون ملكا لشخص اخر..ولكن هو لماذا ما زال قلبه متعلق بتلك الفتاة وما زال يتعذب عندما يأتي طيفها الى ذاكرته...لماذا لا يفتح قلبه الى طريق جديد.. وليكون ذلك الحب الجديد انقى واصفى من ذلك الحب الخبيث الذي بقي اثره على قلبه..كجرح عميق بقيت اثاره على جلد ذلك الانسان الذي وبعد التئام الجراح بقيت هناك علامة على جسده..وكانت تلك العلامة وهو انكسار قلبه....
لا يدري لماذا كان يخاف من حب جديد..فيكون ذلك الحب الجديد اقسى واعنف من الحب الذي يسبقه....هل كان خوفه من ان يمضي علاقة ستكون نتيجتها الفشل كسابقتها؟!
هل كان يخاف من تلك الانسانة التي بدأ ينجذب اليها بان تكون مثل جيني التي خانته وتزوجت من رجل آخر متناسية ايام حبهم الجميلة؟!
هل ينكر ذلك الحب الجديد ويقسو على قلبه..لان طيف تلك الذكرى الكريهة ما زالت تفوح رائحتها في خياله والتي تتمرد كل ليلة تجعله يتوجه الى دولابه الصغير والذي يحوي صندوقا خشبيا بداخله بعضٌ من الصور القديمة فيتأملها بكل ضيق وحزن من أجل جميع الذكريات والاحلام التي لم تكتمل والتي جعلت قلبه يشيخ قبل الاوان....
ولكن كانت هذه الليلة مختلفة عن سابقتها فقد نهض من بين اكوام تلك الاوراق على مكتبه والذي يشغل نفسه بها ليبعد افكاره المتزاحمة في طرقات عقله.. ثم يتوجه بعدها نحو ذلك الصندوق الذي يخبئ فيه ذكرياته القديمة حيث اصبحت عبئا وهماً كبيرا على قلبه ،، فيقوم بفتحه واخذ الصور منه.. ويغادر غرفته متوجها حيث موقد النار الموجود في احدى زوايا الحديقة الخلفية لمنزلهم.
يشعله وتتصاعد نيرانه في هذه الليلة والتي يتوسط سمائها هلالها المضيء...وتبدأ تلك النيران الحارقة بان تستقبل صورة تلو الاخرى..لتحولها فيما بعد الى رماد اسود...
*******
كانت طريق العودة تحت ضوء الهلال متوسطاً سماء سوداء كالحة ومن حوله نجوماً براقة...حيث اخذ بريق هذه المجموعة المتمثلة بالقمر والنجوم يضيء طرقات هذه المدينة.. وكان الصمت يعم المكان وهي تنظر تارة الى السماء وتارة اخرى الى الطريق الموحش..كان داخلها يبكي فرحا وحزنا بنفس الوقت..حزنا على فراق اصدقائها في ذلك المأوى وفرحا لرؤيتهم..فقد عادت لها ذكرياتها المؤلمة والسعيدة...عادت لها ذكريات ذلك المأوى وكيف قضت فيه ايامها بل سنين من عمرها دون عائلة... تنهدت بتعب وهي تمسح دمعة حزينة قد خانتها من دون ان ينتبه رامي الذي كان ينظر الى شاشة هاتفه بابتسامة ساخرة ليرميه بعد قليل باهمال .. ولكنه تنبه الى ان مخزون الوقود على وشك ان ينفذ..ولكن لسوء الحظ لا يتواجد في هذا الطريق محطة للوقود.
ما كان منه الا ان ركن سيارته جانبا، وامام نظرات قمر المتسائلة عاود التقاط هاتفه لتسمعه يوجه حديثه الى احدهم "هل يمكنك القدوم الى شارع.....لقد نفذ الوقود..حسنا....لا تتأخر.."
وبعد انهائه المكالمة الهاتفية اسند بجسده على مقعد السيارة بتعب بينما تعلقت عيناه على الطريق الذي امامه.. ثم قال"لقد اتصلت بالسائق لن يتأخر.."
اومأت قمر رأسها بهدوء مبعدةً بصرها نحو تلك الزهرة التي قطفتها لها احدى الفتيات في الحفلة الخيرية..
مر وقت طويل وهي تشغل تفكيرها باشياء كثيرة الى ان لمحت ضوء سيارة يقترب ليتضح انها السيارة التي ستقلهما ، ترجلا من السيارة واستقلا الاخرى مكملين طريق العودة في هذه الليلة القمرية....
.........
....
..
سرت قشعريرة في جميع ارجاء جسدها عندما التقت نظارتها مع نظرات ذلك الشخص والذي شبهته بتمثال اثري في احد المتاحف..يقف بقوته المعتادة وككل لحظة ينظر اليها بعيونه الرمادية التي تتحول الى عيون حمراء نارية تجعلها ترتجف من الخوف..فأي ذنب اقترفته لتتلقى تلك السموم منه..واي فعل قد فعلته لترى تلك اليد الممتدة على معصمها مكبلا اياها بيده القوية وهو يقف غاضبا ويشد على اسنانه موجها كلامه اليها بعد ان رآها تتجه ناحية الباب الرئيسي لتدخل غير مبالية به..واكثر ماا اثار قهره هو هدوءها..لذلك انقض كأسد يريد التهام فريسته ليشفي غليله..
"انت كيف تعودين بعد منتصف الليل؟!"
نظرت اليه وهي تعتصر من الالم....وحاولت قدر الامكان ان تفلت يدها من ذلك الوحش الذي انقض عليها..ولكن ما باليد من حيلة..فكيف هي الضعيفة الهزيلة ذات الجسد النحيل تستطيع افلات يدها من ذلك الرجل الحديدي..
ثم اكمل وهو ينظر اليها باحتقار "هل كانت امسية رائعة تجعلك تتناسين ان هذا البيت الذي احتواكِ له ادابه..؟!"
وهناا ضربها باشد السيوف حدة وانه ما زال يذكرها بشفقته عليها... ثم أكمل بذات النبرة وهو ينظر ناحية البوابة " أم ان الوقت مر بسرعة مع حبيبك!!"
شلتها الصدمة من اتهامه ذاك،، و ما عاد.بمقدورها ان تتحمل تلك الالام التي ألمت بجسدها وقلبها..فاغرورقت عيونها بالدموع ثم تشكل سيلا من اللالئ التي اضاءت في عتمة الليل ومع ضوء القمر كانت اشبه ببلورات انعكس بريقها على عيونه الرمادية اأخذت تنظر اليها بحيرة وقالت بصوت ضعيف مكسور "يكفي ارجوك"..ثم اكملت بقهر "لقد نفذ مخزون الوقود وتأخر السائق.."
وما كان منها الا ان سحبت يدها من بين يده عندما شعرت بارتخائها قليلا تعاود مسيرها للداخل بجبال من الحزن وشلالات من الدموع بسبب افعاله التي لا تستطيع ان تضع تفسيرا منطقيا لها.. اجهشت بالبكاء وهي تتمدد على سريرها تتذكر سلوكه الهادئ قبل أيام عندما كان هدوءه غير المعتاد يحيرها..وما كان هذا الهدوء هو الهدوء الذي يسمى ما قبل العاصفة... و بعد عناء نحيبها الذي وصل الى مسامعه عندما اقترب من بابها واضعاً يده اليمنى على صدره يشير ناحية قلبه لتغط في نوم عميق يخفف من وطأة الاعباء والحزن بسبب ذلك الرجل البارد الحارق الذي يلقي بسمومه الحارقة عليها و التي تهيج بحارا ومحيطات من الغم والحزن في قلبها...ظنا منها بأن ذلك النوم سيأخذها الى الطمأنينة والسكينة والى عالم اخر لا يوجد به شيء يكدر نومها الهانئ ؛؛؛ ولكنها لا تدري حقا عن تلك العلاقة الوثيقة بين حزنها والاحلام المزعجة التي تراودها ليلا...
........
....
..
.
يتبع..